تتجلى في العالمِ اليومِ نماذجَ متميزةً لدولٍ اختارتْ مسارا مختلفا عنْ عادةِ الانخراطِ في الصراعاتِ الخارجية، مسارا يضعُ البناءُ الداخليُ والحيادُ الاستراتيجيُ على رأسِ أولوياتهِ .
ومنْ أبرزَ هذهِ النماذج: سنغافورة، سويسرا، جنوبَ أفريقيا، رواندا، سلطنةُ عمان، وماليزيا؛ دول تختلفُ في الجغرافيا والثقافة، لكنها تشتركُ في فلسفةٍ واضحة: إعادةُ بناءِ الداخلِ وتحييدِ الخارج.
هذهِ الدولِ لمْ تبدأْ منْ فراغ. بلْ كلُ منها خرجَ منْ أزماتٍ عميقةٍ ومفصلية: بعضُ هذهِ الأزماتِ كانَ نتيجةَ حروبٍ داخلية، وأخرى صراعاتٍ عرقيةً أوْ تحدياتٍ اقتصاديةٍ خانقة. ومعَ ذلك، قررتْ هذهِ الدولِ أنْ تجعلَ الاستقرارَ الداخليَ أولويةً مطلقة، واعتمدتْ على استراتيجياتٍ مرنةٍ تتنوعُ بينَ الاستثمارِ في الإنسان، وتعزيزَ التعليمِ والابتكار، إلى الحيادِ الدبلوماسيِ المدروس. فعلى سبيلِ المثال، رواندا، بعدٌ مأساةٍ إنسانيةٍ هائلة، ركزتْ على إعادةِ بناءِ مؤسساتها على أساسِ الوحدةِ والتنميةِ الشاملة، محافظةٌ على التعايشِ الوطنيِ وتعزيزِ الثقةِ بينَ المواطنينَ والدولة.
أما جنوبِ أفريقيا، فقدْ تحولتْ منْ دولةِ فصلٍ عنصريٍ تعاني انقساماتٍ اجتماعيةً حادةً إلى نموذجٍ لدولةٍ تسعى لتحقيقِ العدالةِ والمصالحة، حيثُ لعبتْ السياسةُ الحكيمةُ والإصلاحاتُ القانونيةُ دورا أساسيا في ترميمِ المجتمعِ وإعادةِ الدمجِ الوطني.
منْ ناحيةٍ أخرى، قدمتْ سنغافورة وماليزيا نموذجا آخر يركزُ على الاستثمارِ في الإنسانِ والمعرفة. فقدٌ أصبحتْ التعليمَ والتقنيةَ والابتكارَ أدواتِ رئيسةٍ للتحولِ منْ دولٍ ناميةٍ إلى مراكزَ اقتصاديةٍ مؤثرةٍ عالميا، دونُ الاعتمادُ الكبيرُ على المواردِ الطبيعية، بلْ على الإدارةِ الذكيةِ والتنظيمِ العقلاني.
هذا التوجهِ أظهرَ أنَ التنميةَ المستدامةَ تبدأُ بالعقلِ قبلَ الثروة، وبالقدرةِ على التخطيطِ قبلَ الموارد. أما سويسرا وسلطنةُ عمان، فتمثلانِ نموذجَ الحيادِ الذكي؛ حيادٌ لا يعني الانعزالُ أوْ الضعف، بلْ تجنبُ الصراعاتِ المباشرةِ معَ الحفاظِ على دورِ دبلوماسيٍ متوازنٍ وفاعل. هذهِ الاستراتيجيةِ منحتهما استقرارا طويل الأمدِ وجعلتهما وسيطينِ محترمينِ في كثيرٍ منْ النزاعاتِ الدولية، معَ الحفاظِ على مصالحهما الوطنية.
إنَ القاسمَ المشتركَ بينَ هذهِ التجاربِ يكمنُ في وعيها العميقِ بأنَ التدخلَ في شؤونِ الآخرينَ غالبا ما يكونُ على حسابِ الداخلِ لذا؛ ركزتْ هذهِ الدولِ على بناءِ الاقتصاد، تحسينُ البنيةِ التحتية، وتعزيزَ الثقةِ بينَ الدولةِ والمجتمع. لمْ تكنْ الطريقُ سهلة، لكنها أثبتتْ أنَ التنميةَ ليستْ حكرا على الدولِ الكبرى، بلْ خيارٌ سياسيٌ وإداريٌ يمكنُ لأيِ دولةِ تبنيه.
إنَ هذهِ التجاربِ تقدمَ درسا ثمينا للدولِ الخارجةِ منْ الحروبِ أوْ التي تواجهُ عدمَ الاستقرار: البناءُ يبدأُ منْ الداخل، منْ الإنسان، منْ التعليم، ومنْ قرارٍ سياديٍ يضعُ مصلحةَ الوطنِ فوقَ كلِ اعتبار. والحيادُ ليسَ انسحابا منْ العالم، بلْ استراتيجيةً ذكيةً لإعادةِ التموضعِ في الساحةِ الدوليةِ معَ حمايةِ المصالحِ الوطنية. في النهاية، ليستْ هذهِ الدولِ مثالية، لكنها تقدمُ خريطةَ طريقِ عملية: اختيارُ السلامِ حينَ يكونُ ممكنا، الاستثمارُ في العلمِ والمعرفةِ حينَ يكونُ البناءُ ضرورة، والابتعادُ عنْ صراعاتٍ لا تضيفُ للوطنِ سوى المزيدِ منْ الخسائر. إنها دعوةٌ لكلِ دولةٍ تبحثُ عنْ الاستقرارِ والازدهارِ أنْ ترى في الداخلِ القوة، وفي العقلِ والوعيِ السياسيِ أدواتِ التحولِ الحقيقي.
في ضوء هذه التجارب المتنوعة، يقف العراق اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم أولوياته الوطنية على أسس أكثر استقرارًا وواقعية. فكما أثبتت تجارب تلك الدول في البناء أو الحياد، فإن بناء الداخل ليس خيارًا ثانويًا، بل هو الشرط الأول لأي حضور خارجي فاعل. إن الاستثمار في الإنسان العراقي، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لانطلاقة جديدة تتجاوز إرث الأزمات والصراعات. كما أن اعتماد نهج متوازن في العلاقات الخارجية، يقوم على تحييد العراق عن محاور التوتر، سيمنحه مساحة أوسع لتركيز جهوده على التنمية والاستقرار. فالعراق، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية، قادر على أن يستلهم هذه النماذج لا ليقلدها، بل ليصوغ تجربته الخاصة التي تنبع من خصوصيته وتاريخه.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه الدول، هو أن النهوض يبدأ من الداخل، وأن السلام الحقيقي يُبنى حين تتماسك الجبهة الوطنية وتتوحد الرؤية نحو مستقبلٍ مشترك. ومن هنا، فإن الطريق أمام العراق، رغم صعوبته، يظل ممكنًا إذا ما توفرت الإرادة والرؤية والإدارة الحكيمة.