بسم الله الرحمن الرحيم
يتبادر إلى الذهن تساؤلٌ جوهريٌّ حول إمكانية أن ينال المؤمن الراحة في الدنيا، وكيف يمكن أن يتحقق له ذلك مع كون البلاء ميثاقاً بينه وبين الله؟ وكيف يهدأ باله ويتخلص من الهم والغم وسط كل ما تعج به الدنيا من مُنَغِّصَاتٍ ومكاره؟
من الثابت أن المؤمن ممتحنٌ ومبتلىً في هذه الدنيا، وأن طبيعة الحياة غالباً ما تخالف مراده في أكثر شؤونه.
ومع ذلك، فإن العيش في (الرَّوْح والراحة) ليس أمراً مستحيلاً.
فالرَّوْح في حقيقته هو السكينة والطمأنينة التي تغمر قلب المؤمن، ولكن كيف يتحقق ذلك والابتلاء يحيط به من كل جانب؟
تكمن الإجابة في فهم أن الراحة تنقسم إلى قسمين:
1. راحة القلب والنفس.
2. وراحة البدن.
ولئن حُرم المؤمن من راحة البدن بسبب ما ينزل عليه من بلاء، فإنه لا يُحرم راحة القلب أبداً.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ الله بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالرَّاحَةَ فِي اليَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الهَمَّ وَالحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ» (الكافي ج2 ص57).
إن الله سبحانه وتعالى عادل بحكمته، يعطي ويأخذ لحكمة بالغة، ولا يترك عباده سُدى، فتأخير الثواب أو العقاب مبنيٌّ على تدبيرٍ إلهيٍّ متقن.
وإذا كان المؤمن يُسلب راحة بدنه وعافيته بكثرة الابتلاءات، فإن الله يعوضه براحة أسمى؛ راحة القلب وسكينته المتولدة من اليقين والرضا.
والرَّوْح في لغة العرب هو (بَرْدُ نَسِيْمِ الرِّيْحِ)، وهو تعبيرٌ دقيقٌ يصور حالة الطمأنينة العميقة. وفي المقابل، جعل الله الهمَّ والحزن ثمرةً للشك والسخط.
إذن، هناك سبلٌ واضحةٌ لينال الإنسان الرَّوْح والراحة القلبية وإن أُنهك بدنه.
ولتسليط الضوء على هذه المفاهيم التي وردت في حديث الإمام الصادق (عليه السلام)، نستعرض تالياً معاني اليقين والرضا، وفي مقابلهما الهم والحزن، وأثر كل منها في حياة المؤمن.
1. اليقين
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ فِي الكَنْزِ الَّذِي قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ كَانَ فِيهِ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَرْكَنُ إِلَيْهَا، وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَقَلَ عَنِ الله أَنْ لَا يَتَّهِمَ الله فِي قَضَائِهِ وَلَا يَسْتَبْطِئَهُ فِي رِزْقِهِ» (الكافي ج2 ص59).
يُبين الإمام (عليه السلام) حقيقة الكنز الذي أقام نبي الله موسى (عليه السلام) الجدار ليحفظه لليتيمين، فلم يكن كنزاً مادياً من ذهب أو فضة، بل كان كنزاً معرفياً وعلمياً.
ومما احتواه هذا الكنز حِكَمُ التعجُّب ممن يوقن بالموت ثم يفرح (فرح المعصية والغفلة)؛ فاليقين هو القطع والجزم، والمؤمن الموقن بوجود الله والمعاد وما أخبرت به الأنبياء لا ينقاد لفرحٍ يخرجه من الطاعة إلى المعصية.
كما يتعجب ممن يوقن بالقدر ثم يحزن على ما فاته، فكلُّ ما يمرّ به العبد من فقدان للمطالب أو وقوعٍ للظلم هو بقضاء الله وقدره؛ فقد يخلي الله بين العبد وبين ظالمه لحكمة، ليدخر للمظلوم ثواباً أعظم.
لذا، لا ينبغي للإنسان أن يحزن على ما يُزوى عنه من متاع الدنيا، فالله يعوضه بما هو خير منه.
وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) طعم الإيمان قائلاً: «لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ» (الكافي ج2 ص58).
فالإيمان له طعم حلو لا يُنال بلقلقة اللسان، بل بالاعتقاد الراسخ بأن مقادير الله نافذة، وهو ما لا يتعارض مع حرية الاختيار الإنساني، بل يعني التسليم للأمور القاهرة التي قدرها الله في سابق علمه.
ومتى ما أدرك المؤمن ذلك، اطمأن قلبه، وهدأت جوارحه، وسلم أمره لخالقه مع استمراره في السعي والعمل.
ومن تجليات اليقين أيضاً ما ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: «مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ المَرْءِ المُسْلِمِ:
أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله.
وَلَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ الله.
فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ...
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالرَّاحَةَ فِي اليَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الهَمَّ وَالحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ» (الكافي ج2 ص57).
فالمؤمن ذو اليقين لا يقدم رضا المخلوق (رئيساً كان أو قريباً أو زبوناً) على رضا الخالق، ولا يلوم الآخرين ظناً منه أنهم سلبوه رزقاً لم يُكتب له، لأن الرزق بيد الله وحده، يعطيه أو يمنعه لحكمةٍ وخير.
2. الرضا بقضاء الله
تتداخل المفاهيم الروحية كاليقين والرضا وحسن الظن بالله وتتقارب معانيها.
وقد عبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن ذروة هذا التداخل بقوله: «إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالله أَرْضَاهُمْ بِقَضَاءِ الله عَزَّ وَجَلَّ» (الكافي ج2 ص60).
فلا يصح ادعاء المعرفة بالله مع الاعتراض على قضائه!
إنَّ المؤمن العارف يرضى بما قسم الله له من مالٍ أو علمٍ أو صحة، لعلمه بعظمة ربه وحكمته.
وفي حديثٍ عميق الدلالة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «عَجِبْتُ لِلْمَرْءِ المُسْلِمِ لَا يَقْضِي الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ قُرِضَ بِالمَقَارِيضِ كَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ مَلَكَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا كَانَ خَيْراً لَهُ» (الكافي ج2 ص62).
يدفع هذا الحديث شبهة حتمية الفقر والشقاء للمؤمن؛ فالله يبتلي عباده بما يصلحهم؛ فقد يصلح العبد بالغنى فيغنيه، أو بالفقر فيفقره، وقد تتناوب عليه الحالات لاختيار الثواب الأعظم.
وإذا كان الإنسان يثق باختيار من يحب من البشر، فكيف لا يطمئن لاختيار الإله القادر العظيم؟
3. الهمّ والحزن
في مقابل اليقين والرضا المورثين للراحة، يبرز الهمُّ والغم.
والهمّ على نوعين:
1. همٌّ مذموم لأجل الدنيا.
2. وهمٌّ ممدوح لأجل الآخرة ومواساة المؤمنين.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في طرد الهمّ الدنيوي: «وَنِعْم طَارِدُ الهَمِّ اليَقِين» (تحف العقول ص84).
فاليقين هو الدرع الذي يحمي قلب المؤمن من الانكسار أمام هموم الدنيا.
ويؤكد النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الحقيقة بقوله: «الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُكْثِرُ الهَمَّ وَالحُزْنَ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ القَلْبَ وَالبَدَنَ» (الخصال ج1 ص73).
والزهد هنا ليس الانقطاع التام، بل أخذ الكفاية وعدم التعلق المَرَضِيّ المانع من طاعة الله.
كما حذر أمير المؤمنين (عليه السلام) من الجزع قائلاً: «إِيَّاكَ وَالجَزَعَ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الأَمَلَ، وَيُضَعِّفُ العَمَلَ، وَيُورِثُ الهَمَّ» (دعائم الإسلام ج1 ص223).
الهم وأثره الصحي (الإحصاءات المعاصرة)
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الهَمُّ نِصْفُ الهَرَم!» (نهج البلاغة).
وفي ذات المعنى ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن السيد المسيح (عليه السلام): «مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقُمَ بَدَنُه» (الأمالي للصدوق ص543).
إنَّ الإحصاءات المعاصرة تكشفُ شيئاً من مصداق هذه الحقيقة؛ فمن بين نحو 60 مليون حالة وفاة سنوياً عالمياً، لا تشكل الحروب والحوادث سوى أقل من 10%!
وتبقى الأمراض العضوية السبب الأول، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاضطرابات النفسية والقلق!
وتلعب المخاوف المرتبطة بالرزق والمستقبل دوراً بارزاً في إنهاك الجسد وتقليص متوسط الأعمار.
هنا يتجلى التوازن النفسي للمؤمن الراضي بقضاء الله، مما ينعكس إيجاباً على صحته وعمره بإذن الله.
الهمُّ الممدوح
قد يكون الهمُّ عبادةً إذا كان مرتبطاً بحمل هموم المؤمنين، كما جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ المُؤْمِنَ لَتَرِدُ عَلَيْهِ الحَاجَةُ لِأَخِيهِ فَلَا تَكُونُ عِنْدَهُ فَيَهْتَمُّ بِهَا قَلْبُهُ فَيُدْخِلُهُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَمِّهِ الجَنَّةَ» (الكافي ج2 ص196).
وأعظم منه الهمّ والحزن لمظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «نَفَسُ المَهْمُومِ لَنَا المُغْتَمِّ لِظُلْمِنَا تَسْبِيحٌ وَهَمُّهُ لِأَمْرِنَا عِبَادَةٌ» (الكافي ج2 ص226).
كما أن الهموم التي تصيب المؤمن تكون كفارةً لذنوبه، كما في الحديث النبوي: «مَا يَزَالُ الهَمُّ وَالغَمُّ بِالمُؤْمِنِ حَتَّى مَا يَدَعُ لَهُ ذَنْباً» (الكافي ج2 ص445).
4. حسن الظن بالله.. خير معين
يُعدُّ حسن الظن بالله ركيزةً أساسية لدفع الهموم!
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «حُسْنُ الظَّنِّ يُخَفِّفُ الهَمَّ» (عيون الحكم لليثي ص228).
فعندما يتوقع العبد الخير من ربه، يزول خوفه من المستقبل.
وفي حديث جامع، يُقسم النبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: لَا يَحْسُنُ ظَنُّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ بِالله إِلَّا كَانَ الله عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ.. فَأَحْسِنُوا بِالله الظَّنَّ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ» (الكافي ج2 ص72).
لذا من الخلل العقائدي أن يعمل الإنسان صالحاً ثم يسيء الظن بعدل الله وكَرَمه متوهماً عدم القبول.
قِصَصٌ وعِبَرٌ في حسن الظن
تتجسد قيمة حسن الظن في قصة المرأة التي أوحى الله لنبيه داود (عليه السلام) أنها مقترنة به في درجته في الجنة!
وحين تفقد داود حالها، وجد ظاهر أعمالها عادياً، لكن نيتها كانت استثنائية؛ إذ قالت: «مَا كُنْتُ فِي حَالَةٍ فَنَقَلَنِي الله مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا كُنْتُ بِالحَالَةِ الَّتِي نَقَلَنِي إِلَيْهَا أَسَرَّ مِنِّي بِالحَالَةِ الَّتِي كُنْتُ فِيهَا»، فأخبرها أن هذا هو حسن الظن بالله، وبه نالت تلك الدرجة الرفيعة.
وكذلك قصة الرجلين السجينين في زمن موسى (عليه السلام)، أحدهما تحسنت صحته وسمن، والآخر نحل وضعف كالشعرة.
فسأل موسى الأول عن سبب حسن حاله فقال: (حُسْنُ الظَّنِّ بالله)، وسأل الثاني فقال: (الخَوْفُ مِنَ الله).
ولما سأل موسى ربه عن أيهما أولى، أوحى الله إليه: «صَاحِبُ حُسْنِ الظَّنِّ بِي» (مشكاة الأنوار ص37).
فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء، لكنه يجب أن يحسن الظن بالله، فيورثه ذلك سَكينةً واطمئناناً.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الرَّوْح والراحة في القلوب والأبدان، وأن يدفع السوء عنا وعن إمام زماننا المهدي المنتظر، ليعجل الله فرجه ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتطمئن به النفوس وتركن إليه.
والحمد لله رب العالمين
