نداء من الغيب


حين يطلع الفجر من خاصرة الليل أو تميل الشمس إلى الغروب  و  تتعب الروح من ازدحام الحياة، ويثقل القلب بما لا يُقال، يرتفع صوت ليس ككل الاصوات ويتسلّل  كنسمةٍ من غيبٍ رحيم، لا ليُسمَع فحسب، بل ليُحسّ… كأنّه يدٌ خفيّة تربّت على قلبك وتهمس: ما زلتَ هنا، وما زال الله أقرب إليك مما تظن. ليس الأذان إعلانًا لوقتٍ عابر، بل هو نداءُ عودة، نداءُ حياة، نداءُ لقاءٍ يتكرر خمس مرات في اليوم لأن الإنسان ينسى كثيرًا… والله لا يملّ من تذكيره. تبدأ كلماته ب الله أكبر فتنهار أمامها كل المقاييس التي صنعتها الدنيا في داخلك ويصغر كل ما كبر في عينك وتدرك فجأة أن ما يشغلك ليس أكبر من الله، ولا أثقل من رحمته، ثم تأتي أشهد أن لا إله إلا الله، فتشعر وكأن قيودًا خفيّة تنفكّ عن روحك، كأنك تعود إلى أصل النقاء، إلى الحقيقة التي لا تتبدل، حيث لا معبود بحق إلا هو، ولا ملجأ سواه، ثم أشهد أن محمدًا رسول الله ، فتستحضر سيرة الرحمة المهداة محمد بن عبد الله، الذي لم يكن مجرد نبيٍّ يُبلّغ، بل قلبًا احتضن الإنسانية، ونورًا سار في دروبها ليخرجها من العتمة إلى البصيرة، وفي امتداد هذا النور تتردّد أشهد أن عليًا وليّ الله، كنبض ولاءٍ عميق، لا يُقال باللسان فقط بل يُحسّ في أعماق القلب، يربطك بخطّ الهداية المستمر عبر علي بن أبي طالب، حيث العدالة والنقاء والصدق، فتشعر أن هذا الطريق لم ينقطع، وأن الله لم يترك عباده دون دليلٍ يقودهم.
ثم يأتي النداء الذي يشبه العناق: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، وكأن السماء تناديك بنداءٍ شخصيّ لا يسمعه سواك، تدعوك لا لتؤدي واجبًا فحسب، بل لتنجو… لتتنفّس… لتضع عن قلبك ما أثقله، فالصلاة ليست حركة جسد، بل عودة روح، وليست فرضًا يثقل، بل بابًا يُفتح، و حيّ على خير العمل تختصر الطريق كلّه، لتقول لك إن أعظم ما يمكنك أن تفعله في هذه الحياة، وسط هذا الركض الطويل، هو أن تقف بين يدي الله صادقًا، منكسرًا، حاضرًا.
وفي الرؤية الإمامية، لا يُنظر إلى هذا الأذان على أنه وُلد من تجربة بشرية أو رؤيا عابرة، بل هو نورٌ نازل من السماء، وحيٌ إلهيّ علّمه الله تعالى لنبيّه محمد بن عبد الله بواسطة جبريل، ليكون صوت السماء في الأرض، ورسالةً متجددة لا تخبو، وقد حفظت هذا المعنى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في مصادر أصيلة مثل الكافي ومن لا يحضره الفقيه، حيث تؤكد أن الأذان ليس مجرد ألفاظٍ مرتبة، بل يحمل في طيّاته أسرارًا عقدية وتربوية، ويُعدّ من الشعائر التي تلامس أعماق الإنسان وتعيد تشكيل وعيه وارتباطه بالله.
ولعلّ سرّ تأثير الأذان أنه لا يأتيك حين تكون مستعدًا فقط، بل يأتيك حين تنشغل، حين تتعب، حين تبتعد، فيجدك حيث أنت، ويأخذ بيدك إلى حيث ينبغي أن تكون، ولذلك يبقى الأذان نداءً لا يشيخ، مهما تكرّر لا يفقد بريقه، بل يزداد قربًا، وكأن الله يعيد عليك الدعوة ذاتها مرارًا، لا لأنه يشك فيك، بل لأنه يعلم كم تحتاجها، وكم تحتاج أن تُقال لك كل يوم إن الفلاح ليس في كثرة ما تجمع، ولا في سرعة ما تركض، بل في صدق اللحظة التي تجيب فيها هذا النداء… حين تترك كل شيء، وتمضي إليه.

نداء_الغيب.jpg