الحدث الحمراء ملحمة سيف الدولة التي كسرت شوكة الروم

 لقد مَنَّ الله تعالى على الامة الاسلامية وحفظها ونصرها في كل موقعة مصيرية ومن هذه الوقائع المهمة معركة الحدث الحمراء التي حدثت في القرن الرابع الهجري(343ه) في بلاد الروم والحدث بلدة تقع في بلاد الأناضول (تركيا) بين ملطية ومرعش وسميساط يحيط بها جبل يقال له الأحيدب..

مع انشغال العالم الإسلامي بالفتن الداخلية والتناحر المستمر ظهرت دولة في بلاد الشام وشمال العراق وبلاد الأناضول أخذت هذه الدولة على عاتقها صون الثغور الإسلامية وصد الهجمات البيزنطية والحفاظ على السلم الداخلي تلك الدولة هي الدولة الحمدانية والتي كانت عاصمتها حلب والموصل
هناك في حلب كان أمير هذه الدولة وحامي حصونها وقلاعها الأمير الكبير والملك الجليل الشجاع النبيل والسيف الصقيل علي بن عبدالله بن حمدان المعروف والمشهور ب سيف الدولة الحمداني إذ كان عليَّ الطباع مقدام الجناب وفاتح البلدان واجه اكبر الأخطار المحدقة بالامة بقلب صلب وإيمان ثاقب وبصيرة فذة وعزم لا يلين سيد بني حمدان ورئيس العرب وفتى الإسلام الذي أرهق الروم وبدّد آمالهم بالاستحواذ على بلاد الإسلام كما كان اديبا عالما ذا سؤدد ومنزلة عالية قل نظيرها..

على قدر اهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
يُكَلِّفُ سَيْفُ الدَّولَةِ الجيشَ هَمَّهُ وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

من مطلع قصيدة ابي الطيب المتنبي جادت به قريحته عندما وصل الحدث ورأى احداثه الجسيمة وكيف صمد ابطال الثغور مع عظم تجهيزات الروم
فما هي تفاصيل هذه المعركة المصيرية المهمة (الحدث الحمراء)

بدأت ارهاصات هذه المعركة خلال سنة 342 ه حين شن الروم غارات كثيفة على الثغور الإسلامية وبسطوا سيطرتهم على بعضها وقاموا بتخريبها وترويع أهلها وعندما سمع سيف الدولة بذلك فقام بتجهيز جيش لرد اعتداءات الروم فغزا زبطرة وملطية وفتحهما واوغل في بلاد الروم وقتل قادة جيش الروم وأسر ابن ملك الروم "قسطنطين بن الدمستق " وعدد من قواد الروم
يقول أبو فراس
وَأُبْنَ بِقُسطنطينَ وُهوَ مُكَبَّلٌ تحفُّ بَطارِيقٌ بِهِ وَزَراوِرُ

ولقطع دابر الروم وسد هذا الثغر العظيم قام سيف الدولة ببناء حصن متقدم في الأناضول في منطقة الحدث سنة 343 ووضع اساس الحصن بيده وعندما سمع ملك الروم بذلك اغتاض كثيرا وجيّش جيشا عظيما قوامه 50 الف مقاتل لازالة الحصن الحمداني من منطقة الحدث
وكان جيشه مكون من الروم والبلغار والترك والأرمن والروس والصقالبة والخزر واليونان وقد اجاد المتنبي بوصفهم
تَجَمَّعَ فِيهِ كُلُّ لِسنٍ وَأُمَّةٍ فَمَا يُفْهِمُ الحُدَّاثَ الا التَّراجِمُ
وعندما سمع ابو فراس الحمداني بتوجه الروم نحو الحدث بعث رسالة إلى سيف الدولة قائلا:
نشردهم ضربا كم شرد القطا وننظمهم طعنا كما نظم العقد
تعاد كما عودت والهام صخرها ويبنى بها المجد المؤثل والحمد

باصرار وإقدام وايمان راسخ بالنصر من الله تعالى استعد الجيش الحمداني للمواجهة الحاسمة رغم ان جيش سيف الدولة كان اقل بكثير من جيش الروم ومنذ اللحظات الأولى للمعركة قام جيش الروم بحصار جيش المسلمين وعندها تحير بعض الجنود المسلمين الا ان وجود سيف الدولة في قيادة الجيش ادخل الطمأنينة في نفوس المسلمين كما ادخل الفزع والرعب في نفوس الروم وكان لسيف الدولة مهابة عظيمة يقول ابو فراس
فكان ثباته للقلب قلبا وهيبته جناحا للجناح
الى رجل يلقاك في شخص واحد ولكنه في الحرب جيش عرمرم
ثقيل على الأعداء أعقاب وطئه صليب على افواهها حين تعجم
ويقول المتنبي
أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم قفاه على الاقدام للوجه لائم
أينكر ريح الليث حتى يذوقه وقد عرفت ريح الليوث البهائم
ويقول الصنوبري
همام يفوت السيف حدا ورونقا كما فات نجر السيف من كرم النجر
إذا زلت الاقدام أثبت وطأه على موطئ ما إن عدا موطئَ الحر
ويقول السري الرفاء
مؤيّدا يتحامى الدهر صولته فليس يلقاه إلا وهو هائبه
رفعت بالحدث الحصن الذي خفضت منه الحوادث حتى زال راتبه
أعدته عدويا في مناسبه من بعد ما كان روميا مناسبه
يا ناصر الدين لما عز ناصره وخاطب المجد لما قل خاطبه
وقد اعظمته الروم فاستصغرت به أكابرها ان الشجاع معظّم

معركة الحدث الحمراء معركة الاسلام الخالدة وكان لوجود سيف الدولة واختياره المناسب للمعركة قرب جبل الاحيدب أثر كبير على مجريات المعركة ومع بداية المعركة تقدم احد فرق الجيش الحمداني بقيادة ابي فراس الحمداني والتحم مع جيش الروم
يقول أبو فراس مفتخرا
وحسبي بها يوم الاحيدب وقعة على مثلها في العز تثنى الخناصر
عدلنا بها في قسمة الموت بينهم وللسيف حكم في الكتيبة جائر
ويقول
ولطالما حطمت صدر مثقف ولطالما ارعفت انف سنان
ولطالما قدت الجياد الى الوغى قُبّ البطون طويلة الارسان
واني لجرار لكل كتيبة معودة أن لا يخل بها النصر
واني لنزال بكل مخوفة كثير الى نزالها النظر الشزر

ومع اشتداد وطيس المعركة وتلاحم الابطال والاقران فيما بينهم حيث تتشابك السيوف وتتساقط السهام وبينما يتطاحن الجيشان إذ بسيف الدولة بقيادته الحكيمة يفاجئ الروم ويتجه مباشرة الى قلب معسكر الروم وينحو نحو الدمستق ملك الروم
يصوّر أبو فراس ذلك بأبلغ صورة أذ يقول

وَشَقَّ الى نَفَسِ الدمستق جَيشُهُ بأرضٍ سلامٍ والقَنا مُتشاجِرُ

تمكن جند سيف الدولة من إصابة ملك الروم ولكنهم لم يريدوا قتله كما يقول ابو فراس

ولم تنب عنك البيض في كل مشهد ولكن قتل الشيخ فينا محرم
إذا ضُربت فوق الخليج قبابنا وأمسى عليك الذل وهو مخيم

عندها أنزل الله النصر وتمكن سيف الدولة من الحاق اكبر هزيمة للروم إذ هرب ملك الروم مع من بقي من جنوده بينما قتل حوالي 3 آلاف جندي من الروم وفي هذه المعركة أسر سيف الدولة صهر الدمستق تيودوس الأعور وابن بنته وكثير من قادة الروم بينما اختبأ نقفور ابن الدمستق في سقاية الحدث حتى جن الليل ولحق بابيه وفيه يقول أبو فراس الحمداني
تركناك في بطن الفلاة تجوبها كما انتفق اليربوع يلتثم التربا
وجدت اباك العلج لما خبرته اقلكم خيرا واكثركم عجبا

هرب الدمستق تاركا قادته وجنوده وحتى ابنه وفي ذلك يقول ابو فراس

وولى على الرسم الدمستق هاربا وفي وجهه عذر من السيف عاذر
فدى نفسه بابنٍ عليه كنفسه وللشدة الصماء تفنى الذخائر
وقد يُقطع العضو النفيس لغيره وتدفع بالأمر الكبير الكبائر
اخذن بانفاس الدمستق وابنه وعبّرن بالتيجان من هو عابر
ويقول السري الرفاء
والروم تعلم أن تاج زعيمها ملقى بحد السيف يوم لقائه
يعد معركة الحدث الكبرى هزيمة عظمى للروم يقول المتنبي
وكيف تُرجّى الروم والروس هدمها وذا الطعن آساس لها ودعائم
تمر بك الابطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى الى قول قوم انت بالغيب عالم
حقرت الردينيات حتى طرحتها وحتى كأن السيف للرمح شاتم
نثرتهم فوق الاحيدب كله كما نثرت فوق العروس الدراهم
تظن فراخ الفتخ انك زرتها بأماتها وهي العتاق الصلادم

وبعد هذا النصر المبين بقي سيف الدولة في الحدث إلى أن اكمل بناء الحصن بنفسه يقول أبو فراس
أسا ذا ثغر كان اعيا دواؤه وفي قلب ملك الروم داء مخامر
بنى ثغرها الباقي على الدهر ذكره نتائج فيها السابقات الضوامر
غزا الروم لم يقصد جوانب غرة ولا سبقته بالمراد النذائر
بناهن باني الثغر والثغر دارس وعامر دين الله والدين داثر
ويقول السري الرفاء
لما توجه تلقاء الثغور صفت كُدرُ المياه بها واعشوشب الترب
يقول ابو فراس
إذ الشيخ لا يلوي ونقفور مجحر وفي القيد ألف كالليوث قساور
ولم يبق الا صهره وابن بنته وثوّر بالباقين من هو ثائر
يقول المتنبي
هل الحدث الحمراء تعرف لونها وتعلم أيّ الساقيين الغمائم
امست تربة الحدث حمراء لكثرة القتلى في هذه المعركة
ويقول المتنبي مخاطبا سيف الدولة
وقد فجعته بابنه وابن صهره وبالصهر حملات الأمير الغواشم
ولست مليكا هازما لنظيره ولكنك التوحيد للشرك هازم
وفي وصف ملك الروم يقول المتنبي
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظبى بما شغلتها هامهم والمعاصم
ويقول السري الرفاء
سل الدمستق على عنّ الرقاد له وهل يعنّ له والرعب صاحبه
لما تراءى لك الجمع الذي نزحت اقطاره ونأت بعدا جوانبه
تركتهم بين مصبوغ ترائبه من الدماء ومخضوب ذوائبه
فحائد وشهاب الرمح لاحقه وهارب وذباب السيف طالبه

وبعد سنة من هذه الحادثة اعاد الروم الكرة على الحدث فحاصروها لكنهم فكوا الحصار عندما علموا بقدوم سيف الدولة اليها يقول أبو فراس
فقل لابن فُقاس دع الحرب جانبا فإنك رومي وخصمك مسلم
فلما رأت جيشَ الدمستق راجعت عزائمها واستنهضتها البصائر
وبعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها الروم اقر إمبراطور الروم قسطنطين بالصلح مع سيف الدولة
يعد واقعة الحدث حدثا عظيما ومن ايام الإسلام الخالدة وقد خلد الشعراء هذه الواقعة من خلال قصائدهم
يقول الصنوبري
أخلصت ودك للرسول وآله فلينفعنّك ذلك الإخلاص
تركت الروم بعضهم قتيل يَمُج دما وبعضهم أسير
ولما طار بأسك امس فيهم هفوا جزعا كما تهفو الطيور
يقول السري الرفاء
فتح أعز به الإسلام صاحبه وردّ ثاقب نور الملك ثاقبه
عاد الأمير به خضرا مكارمه حمرا صوارمه بيضا مناقبه
حميت يا صارم الاسلام حوزته بصارم الحد حتى عزّ جانبه

وابتهج الناس في العالم الإسلامي بهذا النصر العظيم يقول السري الرفاء

مالت رقاب ثغور الشام مصغية الى السرور الذي كانت تراقبه
فيا لك من يوم أحرّ عليهم وأندى على الدين الحنيف وأبردا
لقد لبس الإسلام شرقا ومغربا بسيف ابن عبدالله ظلا ممددا

النتيجة
يتبين لنا أن الإيمان الصادق المقرون بالاقدام والبسالة هو من أهم اسباب النصر إضافة إلى إعداد العدة واختيار موقع المعركة فكما تلاحظ ان جيش الروم على الرغم من كونه كان كثير العدد والعدة الا انه خسر المعركة ولحق بهم الهزيمة ..

( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)

سيف_الدولة.jpg