لِلْخَلِيجِ وَإِسْرَائِيلَ ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾

 لم تَكُنْ رُؤْيَاهُ عَابِرَةً، ولا أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ، بل كانت رؤيا سبَّبَتْ قَلَقًا نفسيًّا للرَّائي.

الأولُ يَعْصِرُ خَمْرًا،
والثاني يَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ،
فيَبْحَثَانِ عَمَّنْ يُعَبِّرُ لهما تِلكَ الرُّؤْيَا.
فأَيْنَ المُعَبِّرُ؟ ومَنِ المُعَبِّرُ؟

ثَمَّةَ هُنَاكَ في السِّجْنِ، سَجِينٌ مَظْلُومٌ سُجِنَ بِسَبَبِ عِفَّتِهِ وطَهَارَتِهِ، حيث لم تَخْدَعْهُ المُغْرِيَاتُ، ولم يَسْتَمِلْهُ المالُ ولا الجَمالُ.
فهناك دِينٌ، وهناك مَبْدَأٌ، وهناك مَوْقِفٌ، وهناك أَخْلَاقٌ، وهناك رِسَالَةٌ، وفَوْقَ كُلِّ هذا وذاك هناك القَلْبُ الذي امْتَلَأَ بِحُبِّ الله، ولا يَقْبَلُ هذا القلبُ القِسْمَةَ على اثْنَيْنِ، بل هو واحِدٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ.

نَعَمْ، سَمِعَ صَاحِبَا الرُّؤْيَا بذلك الفَتَى النَّازِلِ معهما في السِّجْنِ، فَقَصَّا عليه ما رَأَيَا.
اسْتَثْمَرَ ذلك الشَّابُّ الفُرْصَةَ لِيُعْلِنَ عَقِيدَتَهُ، لكن بِذَكَاءٍ وصُورَةِ اسْتِفْهَامٍ لا تَقْرِيرٍ، لِيُحَرِّضَهما على التَّفْكِيرِ ثُمَّ التَّقْرِيرِ، فقال لهما: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].

ولِمَ هو واحِدٌ؟ وليس وَحْدَةَ ضَعْفٍ، ولا وَحْدَةَ وَحْشَةٍ، بل وَحْدَةً قَهَّارِيَّةً لِكُلِّ أَنْوَاعِ الوَحْدَاتِ المَوْهُومَةِ في فِكْرِ الإِنْسَانِ المُشْرِكِ السَّاذَجِ، وأَنْتُمَا وآبَاؤُكُمَا ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].

والحَقِيقَةُ أنَّ تَوْحِيدَ العِبَادَةِ هو حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وهو الدِّينُ الذي لا اعْوِجَاجَ فيه، وما يَتَلاءَمُ مع الفِطْرَةِ النَّقِيَّةِ الطَّاهِرَةِ.

أدار الحِوَارَ بِذَكَاءٍ وفِطْنَةٍ، فَجَذَبَ جَمِيعَ النُّزَلَاءِ معه في السِّجْنِ إلى عُذُوبَةِ مَنْطِقِهِ، فَشَرِئَتْ له الأَعْنَاقُ، وأَصْغَتْ إليه المَسَامِعُ، وسَادَ الصَّمْتُ في بَاحَةِ السِّجْنِ، حتى الحُرَّاسُ وَقَفُوا له إِجْلَالًا، وقد أَرْهَفَ مَسَامِعَهُمْ هذا الكَلَامُ.
والكُلُّ مُنْصَتٌ إليه مُتَعَجِّبُونَ بَعْدَ هذه الصَّدْمَةِ، أنَّ فَتىً مَسْجُونٌ وبين مَخَالِبِ الدَّوْلَةِ المُشْرِكَةِ وفي قَبْضَتِها، لكن السِّجْنَ لم يَمْنَعْهُ قَوْلَ الحَقِّ والحَقِيقَةِ.

نَعَمْ، إنها الحُرِّيَةُ بِذَاتِهَا، فالحَاكِمُ الظَّالِمُ قَادِرٌ على سَجْنِ جَسَدِكَ، لكنه لا يَقْدِرُ على سَجْنِ قَلْبِكَ وفِكْرِكَ.
الدِّكْتَاتُورُ قَادِرٌ على حَبْسِ كِيَانِكَ، لكنه غَيْرُ قَادِرٍ على حَبْسِ لِسَانِكَ.

نَعَمْ، أَبْهَرَ كَلَامُهُ الجَمِيعَ، وهَزَّ بِكَلَامِهِ ضَمَائِرَهُمْ.
إنه شَابٌّ يَمْتَلِكُ من قُوَّةِ الإِرَادَةِ ما يَسْتَطِيعُ بها أَنْ يُذِيبَ قُضْبَانَ الحَدِيدِ.
إنها قُوَّةُ الكَلِمَةِ وحدها تَصْنَعُ قَفَصًا للظَّالِمِينَ، ومَن كان في قَفَصِ الظُّلْمِ يَمْتَلِكُ كَلِمَةَ القُوَّةِ.

سَحَرَ العُقُولَ بِكَلَامِهِ، وجَذَبَ القُلُوبَ بِبَيَانِهِ.

الآنَ وَصَلَ إلى مَرْحَلَةِ كَشْفِ السِّرِّ عن الرُّؤْيَا، فَصَاحِبَاهُ في شَغَفٍ لِلتَّعْبِيرِ، والنُّزَلَاءُ في لَهْفَةٍ لِمَعْرِفَةِ كَيْفَ تَجْرِي المَقَادِيرُ.
فتَوَجَّهَ إليهما بِكُلِّ لُطْفٍ ورِقَّةٍ قَائِلًا: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١].

وما مَضَتْ إلَّا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ حتى صَدَقَ تَعْبِيرُ رُؤْيَا ذلك الفَتَى.
فالأَوَّلُ أُفْرِجَ عنه، فكان سَاقِيًا،
والثَّانِي صُلِبَ، فكان رَأْسُهُ مَأْدُبَةً لِلطَّيْرِ.

نَعَمْ، إنَّ في قِصَصِهِمْ عِبْرَةً، وإنَّ التَّارِيخَ يُعِيدُ نَفْسَهُ.
فَذَا الفَتَى المَسْجُونُ مُذْ سِنِينَ، وقد حُصِرَ من كُلِّ مَكَانٍ، يُمَثِّلُ الآنَ إِيرَانَ الإِسْلَامِ.
لم يَمْنَعْهُ سِجْنُ جَبْرُوتِ أَمْرِيكَا وحِصَارُهَا له من الحُرِّيَّةِ، لم يَمْنَعْهُ ذلك من التَّقَدُّمِ والبناءِ والاعْتِمَادِ على النَّفْسِ.
 فَهَاهِيَ إِيرَانُ تَنْطِقُ صَوَارِيخُهَا لِلْعَالَمِ، التي أَبْهَرَتْ نُزَلَاءَ سِجْنِ أَمْرِيكَا التي أَذَلَّتِ الشُّعُوبَ بِقَوْلِهَا العَمَلِيِّ: "أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى"، وبِشِعْرِها: "قَدْ أَفْلَحَ مَنِ اسْتَعْلَى".
وتِلْكَ الشُّعُوبُ خَانِعَةٌ وخَاضِعَةٌ لِأَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ، بين مَن هو خاضعٌ لِقُوَى الشَّرْقِ، وبين مَن هو خاضعٌ لِقُوَى الغَرْبِ، وبين مَن هو مُسْتَسْلِمٌ لهما، مَزَّقَهُ التَّفَرُّقُ.

فقالت إيران قَوْلَهَا العَمَلِيَّ بِصَوَارِيخِهَا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].

فأَبْهَرَتِ العُقُولَ بِقُوَّةِ الضَّرْبَةِ، وضَرَبَتِ القُوَّةَ، وحَطَّمَتْ جَبْرُوتَ ما ظَنَّتِ الشُّعُوبُ أَنْ يَتَحَطَّمَ، وأَرْغَمَتْ أَنْفَ ما كان يُتَوَقَّعُ أَنْ يُرْغَمَ.

نَعَمْ، سُجِنَتْ إِيرَانُ طَوَالَ تِلكَ السِّنَوَاتِ بِسَبَبِ طَهَارَتِها وعِفَّتِها.
فلم تَخْضَعْ، ولم تُسَالِمْ، ولم تُطَبِّلْ، ولم تُطَبِّعْ.
وهكذا بِفِعْلِها هذا اسْتَحَثَّتِ الهِمَمَ، وشَجَّعَتِ الغَيْرَ على أن يُلْقُوا حَبْلَ الذُّلِّ مِن أَعْنَاقِهِمْ.

ثم تَوَجَّهَتْ إلى صَاحِبَيْهَا:
دُوَلُ الخَلِيجِ سَجِينَةُ الهَيْمَنَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، لِتُعَبِّرَ لها رُؤَاهَا ورُؤْيَاهَا عن الأَمْرِيكَانِ: ما نَفَعَتْكُمْ قَوَاعِدُهُمْ، فإذا هُمْ لم يَسْتَطِيعُوا أن يَحْمُوا أَنْفُسَهُمْ، فكيف يَحْمُونَكُمْ؟
لكن كان حَالُهُمْ وسَيَبْقَوْنَ كَحَالِ السَّجِينِ الأَوَّلِ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾، ولا يَتَحَرَّرُونَ؛ لأنَّ رِجَالَهُمْ فَضَحَتْهَا "أَبَسْتِينْ"، بل حتى نِسَاءَهُمْ.
وما عِنْدَهُمْ مِن ذَنْبٍ سِوَى:
مَنْ يُهَنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْهِ ما لِجُرْحٍ مَيِّتٍ إِيلَامُ

أمَّا الصَّاحِبُ الثَّانِي، فقد صَدَّقَتْ إيرانُ له تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا: ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾،
وهذه الغِرْبَانُ أَسْرَابُ الطُّيُورِ، لا طَيْرًا وَاحِدًا، تَأْكُلُ مِن رُؤُوسِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ المُعَفَّنَةِ، التي لا تَزِيدُهَا الآيَاتُ والبَرَاهِينُ الإِلَهِيَّةُ إلَّا عِنَادًا وتَحَجُّرًا.

إذًا يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ: دُوَلَ الخَلِيجِ وإِسْرَائِيلَ،
﴿ قُضِيَ الأَمرُ الَّذي فيهِ تَستَفتِيانِ ﴾

ايران_خاتم_الحرس.jpg