بسم الله الرحمن الرحيم
الناس والملائكة والبهائم؛ ثلاثة أصنافٍ من خلق الله، لكلٍّ منها ميزةٌ يمتاز بها.
وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) حقيقة هذا التكوين بقوله: «إِنَّ الله تَعَالَى رَكَّبَ العَقْلَ فِي المَلَائِكَةِ بِدُونِ الشَّهْوَةِ، وَرَكَّبَ الشَّهْوَةَ فِي البَهَائِمِ بِدُونِ العَقْلِ، وَرَكَّبَهُمَا جَمِيعاً فِي بَنِي آدَمَ، فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ كَانَ خَيْراً مِنَ المَلَائِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ كَانَ شَرّاً مِنَ البَهَائِم» (مشكاة الأنوار ص251).
هذه الكلمة مفتاحية؛ فالإنسان قد جُمع فيه ما خُصّ به الصنفان الآخران. فإذا اتصف بصفات الملائكة وتغلَّبَ على ما يدعوه للشهوة، سما وارتقى حتى صار أفضل من الملائكة.
أما إذا انقاد لشهواته وترك ما يدعوه للسموّ، صار أحط من الحيوانات!
ولكن كيف ينحدر الإنسان إلى هذا الدرك؟
الجواب يكمن في المعاصي التي لا تتأتى إلا باتباع الهوى، والتي تترك تأثيراً عجيباً على عقل الإنسان ودينه.
غلبة الهوى تُفسد العقل والدين
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «غَلَبَةُ الهَوَى تُفْسِدُ الدِّينَ وَالعَقْل» (تصنيف غرر الحكم ص64).
وعنه (عليه السلام): «مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَعْمَاهُ وَأَصَمَّهُ، وَأَذَلَّهُ وَأَضَلَّه!» (المصدر نفسه ص65).
هناك تلازمٌ وثيقٌ إذاً بين الدين والعقل؛ فالعقل إذا سلم من أسر الهوى، أوصل صاحبه إلى حيث ينبغي.
لكنَّ اتباع الهوى بارتكاب الشهوات المحرمة يُفسد العقل، ويؤدي في آخر المطاف إلى إفساد الدين.
وتبدأ المسألة عندي وعندك بشهوةٍ عابرة: لقمةٌ من حرام، نظرةٌ محرمة، تركٌ لواجبٍ كصلاة أو صوم، إعراضٌ عن دفع الحقوق، أو سوءُ خُلق؛ وكلُّ مُحرَّمٍ قد ينشأ عن شهوةٍ ولو كانت مجرد (حبّ الراحة). هذا الهوى يقود صاحبه تدريجياً عبر مراحل شتى حتى يُعميه ويُصمه ويُذله ويُضله في نهاية الطريق.
وتتأكد هذه الملازمة في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «قِوَامُ المَرْءِ عَقْلُهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَه» (كنز الفوائد ج2 ص31).
ويؤكده الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ وَمَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ دَخَلَ الجَنَّةَ»، مُعرِّفاً العقل بأنه: «مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَاكْتُسِبَ بِهِ الجِنَان» (الكافي ج1 ص11).
آثار المعاصي ومراحل الانحدار
بناءً على التلازم بين الهوى والمعصية، فإن للذنوب آثاراً تتدرج عبر مراحل خطيرة:
المرحلة الأولى: البلاء والحرمان
عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كُلَّمَا أَحْدَثَ العِبَادُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ الله لَهُمْ مِنَ البَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ» (الكافي ج2 ص275).
فهناك تناسبٌ بين ابتكار المعاصي وتنزّل البلاء.
وفي حديث جامع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يربط فيه بين المعصية وعقوبتها الدنيوية، يقول: «لَمْ تَظْهَرِ الفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوهَا إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمُ.. وَلَمْ يَمْنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْ لَا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا..» (الكافي ج2 ص373).
فمن المعيب حقاً ألا ينزل المطر على بني آدم إلا لأجل البهائم!
ومن ذلك أيضاً سلب الرزق، كما قال الباقر (عليه السلام): «إِنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُزْوَى عَنْهُ الرِّزْقُ» (الكافي ج2 ص270).
غير أن نزول البلاء على المؤمن العاصي قد يكون رحمةً وكفارة. يقول الباقر (عليه السلام): «إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يُكْرِمَ عَبْداً وَلَهُ ذَنْبٌ ابْتَلَاهُ بِالسُّقْمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَهُ ابْتَلَاهُ بِالحَاجَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِ المَوْتَ لِيُكَافِيَهُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ..» (الكافي ج2 ص444).
بل إن العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده عمل يكفرها «ابْتَلَاهُ بِالحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا»، فقد يُصاب المرء بحالٍ من الحزن لا يدري سببه، ويكون كفارةً لمعصيةٍ ارتكبها.
ولا يصح الاستهانة بأي ذنب، لكن أشدَّها كما وصفها الإمام الباقر (عليه السلام): «مَا نَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ»، كالمال الحرام الذي يستمر الإنسان بتناوله فينبت عليه لحمه ودمه (الكافي ج2 ص270).
المرحلة الثانية: تأخير دخول الجنة
من آثار المعاصي تأخير دخول الجنة لمن كان مستحقاً لها من الموالين، يقول النبي (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ العَبْدَ لَيُحْبَسُ عَلَى ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ مِائَةَ عَامٍ وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ فِي الجَنَّةِ يَتَنَعَّمْنَ» (الكافي ج2 ص272).
المرحلة الثالثة: بغض أهل البيت والردة
هنا يكمن المنعطف الأخطر؛ حيث تُجرّد المعاصي الكبيرة صاحبها من دروع الوقاية.
يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الحالة قائلاً: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ أَرْبَعُونَ جُنَّةً حَتَّى يَعْمَلَ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً، فَإِذَا عَمِلَ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً انْكَشَفَتْ عَنْهُ الجُنَنُ..».
فإذا كان الإنسان سيئ السريرة متمادياً في معاصيه، كما يصفه الحديث: «فَمَا يَدَعُ شَيْئاً مِنَ القَبِيحِ إِلَّا قَارَفَهُ»، وهو إملاء من الله فتزداد مآثمه، «حَتَّى يَمْتَدِحَ إِلَى النَّاسِ بِفِعْلِهِ القَبِيحِ».
حينها تستحي الملائكة من صنيعه وتخاطب ربها، فيوحي الله إليهم أن يرفعوا أجنحتهم عنه، «فَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ أَخَذَ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ البَيْتِ! فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْهَتِكُ سِتْرُهُ فِي السَّمَاءِ وَسِتْرُهُ فِي الأَرْضِ!..» (الكافي ج2 ص279).
فبعد أن كان محباً لآل محمد، انغمس في المعاصي حتى شرع في بغضهم، فأي دينٌ يبقى لهذا؟
هذا الانحدار يصل بالعبد إلى الرِّدة والإلحاد. يُلَخِّصُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه المأساة محذراً: «يَا عِبَادَ الله، فَاحْذَرُوا الِانْهِمَاكَ فِي المَعَاصِي وَالتَّهَاوُنِ بِهَا فَإِنَّ المَعَاصِيَ يَسْتَوْلِي بِهَا الخِذْلَانُ عَلَى صَاحِبِهَا.. حَتَّى يُوقِعَهُ فِي رَدِّ وَلَايَةِ وَصِيِّ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) وَدَفْعِ نُبُوَّةِ نَبِيِّ الله.. وَالالحَادِ فِي دِينِ الله!» (تفسير الإمام العسكري ص264).
فمن استهتر بالمعاصي وانهمك بها وأحبَّ المدح عليها، عرّض نفسه لخسارة الدين رأساً.
الخطيئة والقلب المنكوس
هناك ما يُفسر هذا التحول الجذري؛ فإنَّ قلب الإنسان حساس مرهف، ولكن أكثر شيء تأثيراً في هذا القلب وتغييراً في طبيعته هو المعصية!
ينقل الإمام الصادق عن أبيه الباقر (عليهما السلام) قوله: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ!
إِنَّ القَلْبَ لَيُوَاقِعُ الخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيُصَيِّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ» (الكافي ج2 ص268).
فليتخيل أحدنا نفسه ورأسه في الأسفل وقدماه في الأعلى! هذا القلب المقلوب المنكوس هو أوضح نموذجٍ للحالة النفسية المضطربة التي يعيشها العاصي.
ويوضح الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الآلية: «إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً»، وهو ما يُجسده قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى
أما كيفية الخلاص فبالتعويد؛ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبارة لطيفة: «وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَق» (نهج البلاغة ص417).
أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسُه طوعُ يده، لا تُحدّثه نفسه بهذه الخطايا لأنها عرفت الله وعقلت أمره، إنما تكليفنا نحن أن نسعى لترويض نفسنا؛ أن نُجنبها المعاصي أولاً، ثم نُعوّدها على فعل الخيرات والطاعات.
فلا يكتفي أحدنا بأن يدّعي موالاة محمدٍ وآل محمد باللسان، بل لا بدَّ أن يصدق الفعلُ القولَ، وتأتي الأفعال مطابقةً للمعتقد.
فطريق الحفاظ على العقيدة الحقة هو الطاعة، ولا يُصغى لمن يزعم النجاة وهو لله عاصٍ، فقد تودي به معاصيه إلى الهاوية والإلحاد.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً للابتعاد عن المعاصي، وأن نكون من أهل التقوى، وأن يثبت أقدامنا على ولاية محمد وآل محمد عليهم السلام.
والحمد لله رب العالمين
