تفسير الميزان لخلق النفس وزوجها للعلامة الطباطبائي

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿النساء 1﴾ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴿النساء 1﴾ إلى قوله: وَنِساءً يريد دعوتهم إلى تقوى ربهم في أمر أنفسهم وهم ناس متحدون في الحقيقة الإنسانية من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة والصغير والكبير والعاجز والقوي حتى لا يجحف الرجل منهم بالمرأة ولا يظلم كبيرهم الصغير في مجتمعهم الذي هداهم الله إليه لتتميم سعادتهم والأحكام والقوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم إياها لتسهيل طريق حياتهم،وحفظ وجودهم وبقائهم فرادى ومجتمعين. ومن هناك تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصة وكذا تعليق التقوى بربهم دون أن يقال: اتَّقُوا اللهَ ونحوه فإن الوصف الذي ذكروا به أعني قوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (إلخ) يعم جميع الناس من غير أن يختص بالمؤمنين،وهو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير والتكميل لا من شئون الألوهية. وأما قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿النساء 1﴾ ( إلخ ) فالنفس على ما يستفاد من اللغة عين الشيء يقال: جاءني فلان نفسه وعينه وإن كان منشأ تعين الكلمتين ـ النفس والعين ـ لهذا المعنى (ما به الشيء شيء) مختلفا،ونفس الإنسان هو ما به الإنسان إنسان،وهو مجموع روح الإنسان وجسمه في هذه الحياة الدنيا والروح وحدها في الحياة البرزخية على ما تحقق فيما تقدم من البحث في قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ الآية: (البقرة 154).


ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا: وظاهر السياق أن المراد بالنفس الواحدة آدم عليه‌ السلام،ومن زوجها زوجته،وهما أبوا هذا النسل الموجود الذي نحن منه وإليهما ننتهي جميعا على ما هو ظاهر القرآن الكريم كما في قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها (الزمر 6) وقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ (الأعراف 27)، وقوله تعالى: حكاية عن إبليس: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً (إسراء 62). وأما ما احتمله بعض المفسرين أن المراد بالنفس الواحدة وزوجها في الآية مطلق الذكور والإناث من الإنسان الزوجين اللذين عليهما مدار النسل فيئول المعنى إلى نحو قولنا: خلق كل واحد منكم من أب وأم بشرين من غير فرق في ذلك بينكم فيناظر قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ: ( الحجرات 13 )،حيث إن ظاهره نفي الفرق بين الأفراد من جهة تولد كل واحد منهم من زوجين من نوعه: ذكر وأنثى. ففيه فساد ظاهر وقد فاته أن بين الآيتين أعني آية النساء وآية الحجرات فرقا بينا فإن آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانية،ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكون كل واحد منهم إلى أب وأم إنسانين فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين ولا يتكرم إلا بالتقوى،وأما آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة،وأنهم على كثرتهم رجالا ونساء إنما اشتقوا من أصل واحد وتشعبوا من منشأ واحد فصاروا كثيرا على ما هو ظاهر قوله: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ﴿النساء 1﴾،وهذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر والأنثى الناسلين من الإنسان على أنه لا يناسب غرض السورة أيضا كما تقدم بيانه.


قوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴿النساء 1﴾ فقد قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج،ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل،ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج،إلى أن قال: وزوجه لغة رديئة،انتهى. وظاهر الجملة أعني قوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴿النساء 1﴾ أنها بيان لكون زوجها من نوعها بالتماثل وأن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعا إلى فردين متماثلين متشابهين فلفظة من نشوئية والآية في مساق قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً: ( الروم 21 )،وقوله تعالى: وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً (النحل 72)،وقوله تعالى: فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (الشورى 11)،ونظيرها قوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْن (الذاريات 49)،فما في بعض التفاسير: أن المراد بالآية كون زوج هذه النفس مشتقة منها وخلقها من بعضها وفاقا لما في بعض الأخبار: أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه مما لا دليل عليه من الآية.


قوله عز وجل وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ﴿النساء 1﴾، البث هو التفريق بالإثارة ونحوها قال تعالى: فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا : (الواقعة 6)،ومنه بث الغم ولذلك ربما يطلق البث ويراد به الغم لأنه مبثوث يبثه الإنسان بالطبع،قال تعالى: قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ (يوسف 86)،أي غمي وحزني. وظاهر الآية أن النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء،ولم يقل: منهما ومن غيرهما،ويتفرع عليه أمران: أحدهما: أن المراد بقوله: رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: وبثكم منهما أيها الناس. وثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم وزوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة والأخوات ( ازدواج البنين بالبنات) إذ الذكور والإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ،ولا ضير فيه فإنه حكم تشريعي راجع إلى الله سبحانه فله أن يبيحه يوما ويحرمه آخر،قال تعالى وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (الرعد 41)،وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ (يوسف 40)، وقال وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (الكهف 26)،وقال: وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (القصص 70). قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ﴿النساء 1﴾ المراد بالتساؤل سؤال بعض الناس بعضا بالله،يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا وكذا هو إقسام به تعالى،والتساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظما عندهم محبوبا لديهم فإن الإنسان إنما يقسم بشيء يعظمه ويحبه.

الميزان.jpg