في عالَمٍ مليءٍ بالإنسان، بعيدًا عن تلك الغاباتِ التي ينفرُ القلبُ من اسمِها، ويرهبُ العقلُ من سيرتِها؛ غابةِ الذئبِ، وغابةِ المُفترساتِ والفرائس. تضجُّ الوجوهُ بالأقنعةِ، وتتلوَّنُ الطباعُ، وتميلُ النَّاسُ إلى حيثُما مالتِ الرِّياحُ؛ إذ لا ثابتَ، ولا ساكنَ، ولا مبدأَ، ولا قِيَم.
هنا، حيثُ كلُّ شيءٍ تغيَّرَ شَخْصُهُ، فالمقاهي ملأى بالباحثينَ عن الهزلِ في موضوعاتِ الجدِّ هربًا من واقعِهم، فيُسهِموا فيه دونَ محاولةِ تغييرِهِ، بعدَ أن كانت ملأى بالمثقَّفينَ، وهواةِ الاطِّلاعِ من القارئينَ، والكتَّابِ الباحثينَ عن الجدِّ حتّى في مواطنِ الهزل؛ سعيًا في تغييرِ مُرِّ الواقعِ على مرِّ الوقت.
في عالمِنا تُشاركُ النساءُ الرجالَ في شتّى أعمالِهم التي لا ينبغي إلّا أن يُمارسَها الرجلُ من مجالاتِ الدِّفاع، ومجالاتِ عُروضِ البيعِ والشراءِ، التي من خلالِ خرقِ خصوصيَّتِها تضيعُ مروءةُ الرجلِ، ويختفي حياءُ المرأةِ، مُستعرضينَ فيها مواضعَ الجمالِ للمرأةِ وبضاعةَ الجسدِ بدلًا من مواقفِ البطولةِ وجودةِ البضاعة.
هنا باتتْ خطوطُ الابتسامةِ، وتعبيراتُ الحزنِ، وملامحُ الوجهِ في إيماءاتِها عيبًا يستدعي التدخُّلَ الجراحيَّ، ودليلًا على علامةِ التقدُّمِ في السِّن، بعدَ أن كانت علامةُ التقدُّمِ في ذاتِها تحملُ علائمَ الوقارِ والهيبة... وصارَ التبرُّجُ معيارًا لثقافةِ المرءِ ووعيِهِ، أُنثى كانَ أم ذكرًا، فلا صورةَ بلا فلتر، حتّى باتتِ الوجوهُ تتشابهُ جرَّاءَ العمليّاتِ التجميليّةِ (التخريبيّة)، والفلاترِ على المواقعِ الافتراضيّة.
في هذا العالمِ لا ينتبهُ الجالسونَ لفنِّكَ في حوارِكَ، وحُسنِ الاستماعِ بإنصاتِكَ، ولا لطبيعةِ كلامِكَ وسموِّ أخلاقِكَ، بل جلُّ ما يلفتُ الانتباهَ لديهم ماركةُ حذائكَ، وسعرُ ساعتِكَ، وجلدُ حقيبتِكَ، وهذا هو معيارُ العلوِّ والرِّفعة.
هُدِمَتِ الثقةُ، وتَحطَّمتِ الطمأنينةُ، ونُخِرَ الضعيفُ، وهُمِلَتْ مكارمُ الأخلاقِ، والبقاءُ للأقوى؛ فالضعيفُ مأكولٌ مذمومٌ، والقويُّ مُتسلِّطٌ محمود.
عالَمُنا عبارةٌ عن غاباتٍ تحملُ عناوينَ أُخرى نعيشُ فيها، تُحبِّبُنا بغابِ الحيوان؛ حيثُ لا يأكلُ الذئبُ أخاهُ الذئبَ، ولا يُصفِّقُ للأسدِ صغارُ الأرانبِ، وعداوةُ النمرِ شاهِرٌ إيّاها، وبراءةُ الغزلانِ تفضحُها عيناها... تلاشتْ في غابتِنا تلك الملامح. يأكلُ الإنسانُ لحمَ أخيهِ خلفَ ظهرِهِ، ثم يُصفِّقُ لهُ قبالَ وجهِهِ، يُحاربُ الإنسانُ أخاهُ الإنسانَ، ويقتلُهُ، ثم يمشي في قتيلِهِ على شاهدٍ وعيان.
غابَ النورُ في غيابِكَ، سيّدي يا صاحبَ الزمان، وامتلأ الظُّلمُ المكانَ، وليسَ إلّا بحضورِكَ تُضاءُ الأرضُ بالنورِ، ويُزالُ عن سُكّانِها الغمُّ، وتُزاحُ الشُّرورُ؛ فعجَّلَ اللهُ (تعالى) لكم الفرجَ الشريف، فهذه الأرضُ باتتْ مرتعًا للظلمِ والظَّلام.
