هل تشتري مِنِّي (دِيني)؟!


 بسم الله الرحمن الرحيم
 
يروي التاريخُ مِصدَاقاً عجيباً لشراء الذِّمَم وبيع الأديان!
بيعٌ تخضع القيمة فيه للمصلحة والرغبة، وقانون العرض والطلب، وغير ذلك مما يُلحَظُ في سوق البيع والشراء!
 
ذاكَ حيثُ دَخَلَ على معاوية رِجال منهم (الأحنف بن قيس) الذي يُقال أنَّه كان يرى (رَأْيَ العَلَوِيَّةِ)! والذي شَهِدَ مع عليٍّ عليه السلام صفِّين، واعترض على اختيار أبي موسى الأشعريّ للتحكيم، وشهد حرب النَّهروان معه عليه السلام، وكَفَّ عنه عشرة آلاف سيفٍ في الجمل وان لم يشترك فيها.
 
كما دخل على معاوية رجلٌ آخر يُدعى (الخَبَّاتُ بْنُ يَزِيدَ) (أو الحباب أو الخباب)، وكان يرى (رَأْيَ الأُمَوِيَّةِ).
 
قال معاوية للأحنف: أَنْتَ السَّاعِي عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ؟ وَخَاذِلُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ؟ وَالوَارِدُ المَاءَ عَلَى عَلِيٍّ بِصِفِّينَ؟!
 
أقرَّ الأحنف بنصرة عليٍّ عليه السلام يوم صفين، وبرَّر خذلانه لعائشة بأن كتاب الله أمرها أن تقرَّ في بيتها، وأنكر مشاركته في قتل عثمان.
 
ولمَّا سأله معاوية حاجته قال: تُدِرُّ عَلَى النَّاسِ عَطِيَّاتِهِمْ وَأَرْزَاقَهُمْ، فَإِنْ سَألتَ المَدَدَ أَتَاكَ مِنَّا رِجَالٌ سَلِيمَةُ الطَّاعَةِ، شَدِيدَةُ النِّكَايَةِ! (رجال الكشي ص91).
 
لا يهمنا الآن حقيقة موقف الأحنف هذا، وهل أنَّه كان مُتَّبِعاً لمعاوية في تلك المرحلة بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام كما هو ظاهر هذه العبارة، أم أنَّه كان دافعاً للسوء عن نفسه وقومه، وهو الذي أبى الامتثال لأمر معاوية في لَعنِ عليٍّ عليه السلام ولو قُتِل، وخَيَّرَ معاوية بين أن يعفيه من ذلك وبين أن يقول على المنبر: إن علياً ومعاوية اختلفا فاقتتلا.. اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياءك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه؛ والعن الفئة الباغية! (العقد الفريد ج4 ص113)، فأعفاه معاوية من ذلك، وتحقيق حال الأحنف وصلاح مآله موكولٌ إلى محلّه.
 
لكنَّ الذي يلفت هنا هو فِعلُ معاوية وقوله، فإنَّه وَصَلَ الأحنف بن قيسٍ (بِخَمْسِينَ الفَ دِرْهَمٍ) والخبّات (بِثَلَاثِينَ الفَ دِرْهَمٍ)، فأعطى الأول الذي يرى رأي العلوية فوق عطاء الذي يرى رأي الأموية!
 
صار الخبَّاتُ إلى معاوية مُحتَجَّاً على ذلك، فأجابه معاوية بجوابٍ عجيب! حين قال له: يَا خَبَّاتُ، إِنِّي اشْتَرَيْتُ بِهَا دِينَهُ!
معاوية شيطانٌ يسير على قدمين! يزيدُ العطاءَ لمن لم يكن على هواه ليستميله، ولو فاقَ عطاءَ مضمونَ الولاء! ثم يجهرُ بقوله: اشْتَرَيْتُ بِهَا دِينَهُ!
 
لكنَّ الخبّات ما وَجَد أنَّ هذا الكلام يمكن أن يُصرَفَ في سوق المال! فأطلق عبارةً مُدَوِّيَةً حَفَرَت اسمه في تاريخ سماسرة الأديان! حين قال لمعاوية: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، تَشْتَرِي مِنِّي أَيْضاً دِينِي؟!
 
ما أعجب هذه العبارة وما أقساها وأغلظها!
وما أصرَحَ الخبَّاتَ هذا وأوقحه! وهو الذي أظهر ما يخفي أكثرُ الخلائق!
 
استجاب معاوية للخبَّات، وأتَمَّ له ما أعطى للأخنف، لكنَّه لم يُمهَل حتى ينفق ذلك المال، فمات قبل أن يمرّ عليه أسبوع، وأعيد المال بعينه لمعاوية! (رجال الكشي ص92).
 
تُشيرُ هذه الواقعة وأمثالها مِن فِتَن الناس بالمال إلى أمورٍ غاية في الأهمية، منها:
 
1. أنَّ مِنَ النَّاس من يكون مستقيماً آناً، مُنحرِفاً آناً آخر، كما هو حال طلحة والزبير، حيث وقفا في أشدِّ المواقف مع عليٍّ عليه السلام، ثم خرجا لحربه عليه السلام، فالاستقامة لا تعني الحصانة، إذ الإيمان قد يكون مستقراً وقد يكون مستودعاً! والعمل ميزانه!
 
2. أنَّ مِنَ النَّاس من يعرض دينَه للبيع صريحاً كالخبَّات! ويختار لنفسه ثمناً! ومنهم مَن يخفي ذلك وينتظر أفضل العروض.. أو يخفى عليه أنَّ المشتري من أهل الضلال، الذين يُلَبِّسُون على الناس أمور دينهم، ويخلطون الحقّ بالباطل!
 
والفرق في سوق الأديان بين مَن أسَرَّ وجاهَرَ والتبست عليه البضاعة، كالفرق في المعاصي بين المستتر والمجاهر ومقتحم الشُّبُهات!
 
ولقد أجاد الشاعر عندما وصف قوماً بما أظهر الخبَّات فقال:
نَادَوْا عَلَى الدِّينِ فِي الْبُلْدَانِ قَاطِبَةً * يَا قَوْمِ مَنْ يَشْتَرِي دِينَاً بِدِينَارِ
 
3. أنَّ النّاس قد يُماشون الدِّين إن وافق دُنياهم، ثم ينحرفون عنه عند أدنى امتحان، كما قال سيد الشهداء عليه السلام: إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ! يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ! (تحف العقول ص245).
 
4. أنَّ المؤمن لا يبيع نفسه إلا لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله اشْتَرى‏ مِنَ المُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة111)، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه الشريف: إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا! فالمؤمن لا يشري نفسه إلا ابتغاء مرضاة الله، ولا يبيعها بثمنٍ بخسٍ دون الجنَّة!
 
5. أنَّ المؤمن حقَّاً إذا عُرِضَت عليه الدُّنيا من حيث لا يحلُّ له أخذها، أو يخشى على نفسه منها اجتنبها! كما روي عن الصادق عليه السلام أنَّ عثمان أرسل إلى أبي ذرَّ مئتي دينار ليستعين بها، فلم يسارع أبو ذر لأخذها بل سأل: هَلْ أَعْطَى أَحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا أَعْطَانِي؟!
ولما قيل له أنَّها من مال عثمان الخاص وليست من بيت المال، وأنَّه يقسم أنه ما خالطها حرام، قال أبو ذر: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا وَقَدْ أَصْبَحْتُ يَوْمِي هَذَا وَأَنَا مِنْ أَغْنَى النَّاسِ!
 
أبو ذر لا يريد مالاً ممَّن عاداه في الله لاغتصابه الخلافة، ولو كان للمال مُحتاجاً، وهو يكتفي بما يملك.. (رَغِيفَا شَعِيرٍ قَدْ أُتِيَ عَلَيْهِمَا أَيَّامٌ)! فَيَرُدُّ الدنانير! إذ لا حاجة له فيها ولا فيما عند صاحبها!
إنَّه يرى نفسه غنيَّاً مع ما يرى الناس من فقره فيقول: وَقَدْ أَصْبَحْتُ غَنِيّاً بِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَعِتْرَتِهِ الهَادِينَ المَهْدِيِّينَ الرَّاضِينَ المَرْضِيِّينَ، الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ! (رجال الكشي ص28).
 
6. أنَّ الامتحان ببيع الأديان يستمرُّ على مرِّ الأزمان، ومِن ذلك ما سقط فيه بعض الشيعة، الذين وقفوا على الإمام الكاظم عليه السلام وأنكروا موته، كما يُحَدِّثُ الفقيه يونس بن عبد الرحمن فيقول: مَاتَ أَبُو الحَسَنِ (ع) وَلَيْسَ مِنْ قُوَّامِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعِنْدَهُ المَالُ الكَثِيرُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وُقُوفِهِمْ وَجُحُودِهِمْ مَوْتَهُ!
 
إنَّ هؤلاء الوكلاء كانوا يملكون من مال الإمام عليه السلام عند وفاته شيئاً كثيراً، فأنكروا شهادته عليه السلام لكي تبقى لهم هذه الأموال في أيديهم، ولئلا يدفعوها إلى الرضا عليه السلام من بعده!
يقول يونس: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ عَلَيَّ الحَقُّ، وَعَرَفْتُ مِنْ أَمْرِ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا (ع) مَا عَلِمْتُ: تَكَلَّمْتُ وَدَعَوْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ.
 
فبعث إليه اثنان من رؤوس الواقفة هما القَنْدِيِّ وابن ابي حمزة قائلَين: مَا تَدْعُو إِلَى هَذَا؟! إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَنَحْنُ نُغْنِيكَ، وَضَمِنَا لِي عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالا لِي كُفَّ! (رجال الكشي ص493).
أظهر يونس علمه في مقابل أهل البِدَع لئلا يُسلَبَ نور الإيمان! فناصباه وأظهرا له العداوة!
 
7. أنَّ المال هو أحد أقوى أسلحة إبليس على مرِّ الأزمان، ففي الحديث عن
الصادق عليه السلام: إِنَّ الشَّيْطَانَ يُدِيرُ ابْنَ آدَمَ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ، فَإِذَا أَعْيَاهُ جَثَمَ لَهُ عِنْدَ المَالِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِهِ! (الكافي ج2 ص315).
وعن رسول الله (ص): إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ! وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ! (الكافي ج2 ص316).
 
8. أنَّ المؤمن الفقير يرى نفسه غنيَّاً بولاية آل محمدٍ كأبي ذرٍّ عليه السلام، ولقد ظهر من الأئمة عليهم السلام ما أرشد إلى ذلك جلياً، حينما شكا أحمد الحلبيّ للإمام الرضا عليه السلام زوال النِّعمة التي كانت في أهل بيته، واحتياجهم إلى من كان يحتاج إليهم!
 
كان جوابُ الإمام مُغايراً لما يُتَوَقَّع، حين قال له عليه السلام: يَا أَحْمَدُ، مَا أَحْسَنَ حَالَكَ!
أعاد أحمدُ الكلام، ليُبَيِّنَ له الإمام مراده قائلاً: يَا أَحْمَدُ، أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ عَلَى بَعْضِ مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الجَبَّارُونَ وَلَكَ الدُّنْيَا مَمْلُوءَةً ذَهَباً؟!
 
لا يريد أحمد ذلك ولا يُسَرُّ به، كحال كلِّ مؤمنٍ يرفس دُنيا أهل الضلال والإنحراف بكلِّ ما فيها من كنوزٍ، ثمَّ قد يحسَبُ نفسه فقيراً!
فينبِّهه الإمام إلى عظمة ما بيده، ضاحكاً قائلاً: فَمَنْ أَحْسَنُ حَالًا مِنْكَ؟! وَبِيَدِكَ صِنَاعَةٌ لَا تَبِيعُهَا بِمِلْإِ الدُّنْيَا ذَهَباً! (رجال الكشي ص597).
 
رَضِيَ أحمد الحلبيّ بما قسم الله تعالى له بعدما سمع كلام الإمام، كما يرضى كلِّ مؤمنٍ بقضاء الله وقدره، ويعلم أنَّ الله تعالى قد أعطاه نفساً كريمةً طيبةً طاهرةً بولاية آل محمدٍ عليهم السلام، وأنَّه لا يسوغُ له بيعها إلا لله تعالى، ولا ينبغي أن يرضى لها ثمناً دون الجنة، فيطيع الله في أمره ونَهيه، وينال الجنَّة التي أعدَّها الله للمتقين.
 
جعلنا الله منهم، وأعاذنا من شرور أنفسنا، ومكائد عدوِّنا، وثبَّتنا على ولاية آل محمدٍ عليهم السلام.
والحمد لله رب العالمين
 
الأربعاء 20 شوال 1447 هـ، الموافق 8 - 4 - 2026 م

الامام_الحسين.jpg