(٧) :
هكذا هي الحياة، قبلناها أم لم نقبل؛ صفعةٌ في صغرِنا، وسحجةٌ في شبابِنا، وطعناتٌ تمتدُّ على مدى السنين.
لن ننسى ما دامت آثارُها تسكنُ أرواحَنا؛ فهي جراحٌ لا تمحوها اعتذاراتُ الفاعل، ولا تُداويها كلماتُه، مهما بالغ في حبِّه وأسفِه.
هي ليستْ ذكرى عابرة، بل وجعٌ مُقيمٌ، نَحياهُ في كلِّ لحظةٍ، تُلازمُنا في صمتٍ، وتنبضُ في أعماقِنا دونَ انقطاع... كأنَّها خُلِقَتْ لتبقى.
فقد سُكِّنَتْ فينا، فلا تُغادرُ ولا تَخفتُ، بل تُعيدُ نفسَها مع كلِّ إحساسٍ نمرُّ به.! ومع ذلك، رغم كلِّ ما شهدته أرواحُنا من ألم، لن نجعل قلبَنا يعتصر حقدًا أو ضغينة، بل نتحلّى بالتسامح، فالحياة لا تستحقُّ أن نُثقلها بالمرارة. حتّى إذا ضاقَ بنا الحال، ولم نجد كأحضانِ أمهاتِنا ملجأً يذوبُ فيه الألمُ والبؤسُ والوجع؛ فإننا نلجأ إلى رحمةِ الله وحنانِه في ملكوتِه.
هو الحنَّان... هو المنَّان... هو ربُّ العزّة، على كلِّ ظلم بهِ يُستعان .
لا تخشَ؛ فسبحانَه أرحمُ بكَ من حضنِ أمِّكَ عليك.
إنَّه لا ينظرُ إلى أجسادِنا ولا إلى صورِنا، بل إلى قلوبِنا، وهي بأمسِّ الحاجةِ إليه، إلى لطفِه وعطفِه.
عِشْ متأمِّلًا، مترقِّبًا وجهَه؛ فما دقَّ بابَه سائلٌ وخاب.
عِشْ واثقًا بأمانِه، فلن يترككَ... وكيف يتركُكَ وقد سلَّمتَه مفاتيحَ روحِكَ؟!
أبصِرْ لذّةَ الرجاءِ به وأنت في دُنياكَ، لتفوزَ بظلِّه يومَ لُقياك.


(٨) :
لا يُوجد أكثر سعادةً ممّن يحبّ احتساء القهوة منفردًا،
ولا أشدَّ ارتياحًا ممّن يدوّن ما يشعر به باستمرار،
ولا أهنأ شعورًا ممّن احتضن وسادته...
مقارنةً بفعلِ كلِّ ذلك مع البشر.
هؤلاء جميعًا يتمتمون، ويفضفضون، ويتنفّسون الصعداء وهم يفعلون ما يشاؤون، وهم أسيادُ الموقف.
لا يُخانوا؛ لأنّهم لا يتعاملون مع أبناء جنسهم،
ولا يُهانوا؛ لأنّ هذه الأشياء ليست قابلةً للغرور، ولا التكبّر، ولا التعجرف،
ولا يُدانوا؛ لأنّهم لا يُلقون أسرارهم في جوف إنسانٍ ذي فمٍ مفتوح، وصدورٍ لا تحفظ، وعيونٌ لا تصون.
هؤلاء يتفضّلون على ما يحبّون، ولا يُتفضَّل عليهم؛ لأنّهم هم من يمنحون هذه الأشياء قيمتها.
هؤلاء هم الأنجح؛ لأنّهم لا يربطون نشوتهم بإنسان، ومن ثمّ لا يُعطون أحدًا فوق قدره، بل يعطون للأشياء ما تستحقّ.
هم لم يختاروا العزلة عبثًا وبطرًا، بل فرارًا من قلوبٍ أثقلها الزيف، وأتعبها التقلّب.
يؤثرون الصمت؛ لأنّه أصدق من كلامٍ كثير،
ويُفضّلون الجماد؛ لأنّه، على سكونه، أوفى من بشرٍ يتبدّلون، حتّى ما نعتقد بثباته، فكلُّ شيءٍ مرتبطٍ بالإنسان قابلٌ للتغيّر، باستثناء فصيلة الدم.
ترى، بعد كلّ هذا، ماذا يُقال؟
أيُّ قسوةٍ بلغتها قلوب البشر حتّى استُلطف جمودُ الجمادات؟!
قال (تعالى): "إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ"
فلا نُقدِّسُ أحدًا فيطغى، ثمّ لِنذكرِ اللهَ (تعالى) ونُسبِّحْهُ بكرةً وأصيلًا؛ فليس سواه ملجأ، ولا غيره مجيب.
يا الله (تعالى)، يا حبيبَ القلوب، وطبيبَها، ومقلِّبَها،
ثبّت القلوب على التعلّق بك (تعالى)، فهو الكرامة،
وعلى التقرّب منك (تعالى)، فهو العزّة،
وعلى النجوى بين يديك (تعالى)، فهي الطمأنينة،
وعلى الركون إليك (تعالى)، فهو الأمان.
ولا يُراد غير إدمان حبّك، يا الله (تعالى)؛
فهو علاجُ القلبِ الذي لا تُخالِجُه آثارٌ جانبيّة...
"فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (تعالى)"