أبو علي... درسٌ في الإنسانيّة:

في زمنٍ تتبدّل فيه القلوب سريعًا، وتتلاشى فيه معاني المودّة، قد يكفي مشهدٌ عابرٌ ليُعيد تعريف الحب من جديد.
في الصباح الباكر، وأنا في طريقي إلى العمل، رأيتُ رجلًا طاعنًا في السنّ يرتدي دشداشةً عربيّةً مع عقالٍ ورداءٍ، وقد بدا أنّ نظره ضعيفٌ جدًا؛ إذ كان يرتدي نظّارةً مكبّرةَ العدسة، ومع ذلك كان يتمعّن في الأشياء في طريقه...
كانت معه امرأة في عمره، أو أقلّ منه قليلًا.
ورغم هذا العمر الذي أُحدّثكم عنه، كان يتأمّل في عينيها حين تناديه باسمه (أبو علي) فيردّ قائلًا:
"يا رويحة أبو علي، وچبدته."
قالت:
"أبو علي، رجلي ما تحملني الطريق، ما أگدر أكمل."
أجابها:
"إگعدي، إگعدي هنا، هسّه أشوف لنا سيارة، حتى لو ستوتة، عربانة، أي شي يشيلنا ويوصلنا."
وبينما جلست على الرصيف، كرّر عليها السؤال:
"أم علاوي، أجيب ميّة تبلّلين ريچج بيها؟"
للوهلة، تأمّلتُ عشقًا كبيرًا...
عشقًا واسعًا محتويًا، يمنح الأمان من كلّ مخاوف الدنيا المظلمة.
للحظات، أدركتُ أنّ الحب لا يشيب وإن شاب الشباب،
وأنّ القلب لا يشيخ وإن شاخ العمر،
وأنّ المشاعر لا تعجز وإن عجز الجسد.
بضع دقائق، مع بضع كلمات، أحيت فيَّ الأمل من جديد،
وبثّت فيَّ تفاؤلًا عميقًا، كأنّه لوّن العالم بعد أن شعرتُ أنّه بلا ألوان،وأيقظ رونقه بعد سباتٍ طويل...
لا نعاني جفاف العاطفة، ولا نقص الحنان،
لكنّنا نفتقد الإنسان...

أرأيتم كيف تُهذّب المودّة قسوة الطريق؟

وكيف يترك طيّب الكلام أثرًا لا يُرى، ولا يُقال؟

ربّما لا نحتاج إلى معجزاتٍ لنشعر بالسكينة، بل إلى قلوبٍ صادقةٍ تُحسن القول، وتُتقن الاحتواء.
ففي زمنٍ تزداد فيه المسافات بين البشر، يبقى طيب كلمة، وحنانُ نظرة، ولطف موقفٍ صغير،
كفيلًا بأن يُعيد للإنسانيّة وجهها الحقيقي

زوجة_صالحة.jpg