أيها المواطن... الهروب مسموح، لكن الدفع إجباري !!

نعرفهم اكثر مما يعرفون انفسهم ،
نقرأ نواياهم كما نقرأ نشرات الطقس التي لا تمطر ابدا .

يقولون خدمة الزامية ،
نقول سمعنا هذه الحكاية من قبل ،
يقولون انضباط وتربية وطنية ،
ونرى في عيونهم صفوف جباية جديدة تنتظر افتتاحها ،
هم يتحدثون عن الوطن كفكرة عظيمة ،
ونحن نراه في جيوبهم كفكرة استثمارية صغيرة لكنها مربحة جدا .

نبتسم حين يتكلمون عن الفوائد الحضارية ،
كأن الحضارة عندهم تبدأ من جيب الفقير وتنتهي في حساباتهم ،
وكأن الوطنية امتحان لا ينجح فيه الا من يدفع الرسوم كاملة ،
نحن لا نعترض على الخدمة ،
بل نعترض على الخدمة حين تتحول الى سوق ،
جندي يدفع ليعفى ،
وفقير يخدم ليعيش ،
ووطن يقف على باب المعسكر ينتظر من يشتريه بالتقسيط ،
نعرف النهاية قبل ان يبدأ العرض .

ستضاف فقرة صغيرة جدا بحجم نواياهم ،
اسمها البدل النقدي ،
لكنها في الحقيقة باب كبير يدخل منه المال ويخرج منه العدل ،
ثم سيقولون هذه حرية اختيار ،
وكأن الفقر خيار ،
وكأن الكرامة بند يمكن تأجيله او تقسيطه ،
لكنهم ينسون شيئا واحدا .

ان هذا الشعب الذي يختبرونه كل مرة ،
ليس صفحة بيضاء يكتبون عليها ما يشاؤون ،
بل ذاكرة ممتلئة بالخذلان والغضب ،
صبر طويلا حتى صار الصبر عبئا ثقيلا لا يحتمل .

وكل مرة كانوا يظنون ان الصوت خفت كان في الحقيقة يتجمع في الصدور كعاصفة مؤجلة ،
يتغافلون عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الهمسات الى صراخ ،
والصبر الى موقف ،
والخوف الى جرأة لا يمكن ايقافها ،
يلعبون على حبال الحاجة ،
ويحسبون ان الجوع يشتري الصمت ،
لكن الجوع نفسه هو الذي يصنع الصوت الاعلى .

حين يدرك الناس انهم لا يخسرون شيئا سوى اوهامهم ،
عندها فقط تتغير قواعد اللعبة ،
ولا تعود القوانين اوراقا بل شرارات ،
سيصرخ هذا الشعب ،
ليس لانه يحب الصراخ ،
بل لانه تعب من ابتلاع صوته ،
وسيكون صراخه هذه المرة واضحا كالحقيقة ،
بلا رتوش وبلا خوف.
صراخ يعرف طريقه جيدا ،
ولا يحتاج الى اذن كي يسمع ،
بل الى لحظة كي يولد .

نحن لا نحتاج الى من يقنعنا ،
نحتاج فقط الى ان يكفوا عن تمثيل دور الابرياء ،
لان المسرحية قديمة ،
والجمهور حفظ النص ،
والتصفيق هذه المرة لن يكون لهم بل على سذاجتنا التي لم تعد موجودة .

مظاهرات.webp