إدارة العمر والانتصار على البغتة

"...فَبَادِرُوا الْعَمَلَ، وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ، 
فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ، مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوُمَ رَجْعَتُهُ..". نهج البلاغة.

      يضع لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) معادلة دقيقة، نفرّق بها بين ما هو "قابل للتعويض والاسترداد" وما هو "مستحيل الاسترداد"، داعياً الإنسان إلى إعادة ترتيب أولويّاته قبل أن يباغته الأجل.
​
 اختلاف الرزق عن الزمن؟

     لن​نطلق مع كلمة الإمام التي توجِد لنا مقارنة عظيمة تلمس واقع القلق البشريّ؛ فنحن نقضي جلّ أعمارنا في اضطراب وخوف من نقص الرزق، رغم أن الرزق "قيمة متجدّدة" تخضع لقانون التعويض، فما فاتك منه اليوم قد يأتيك مضاعفاً في الغد مع السعي والعمل.

      أما العمر، فهو "ثروة تتناقص" ولا تقبل العودة والاسترداد، إنّ العبرة هنا تكمن في تصحيح مفهوم "الخسارة"؛ فالخسارة الحقيقية ليست في نقص المال _ياعزيزي_  بل في إنقضاء آناته التي هي المادة الخام لكل إنجاز، فالعمر إذا ذهب، ذهبت معه القدرة على الفعل والتغيير، إذا جاء الأجل وقع المحتوم وانقطع العمل كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ  فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً  وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ 1


​ التسويف ومباغتة الأجل

     ​يأتي قوله (عليه السلام) :  "فبادِروا العمل" ليقطع الطريق على أخطر الآفات النفسيّة وهي: "طول الأمل". 

      يميل الإنسان بطبعه إلى تأجيل المشاريع الكبرى غالباً إلى "وقت لاحق"، متناسياً أن "الأجل" لا يطرق الأبواب قبل الدخول، وبعضهم ينزعج من ذكر الموت وتذكّره، لأنّه يدفع به إلى العمل، وهو متكاسل، ويحبّ طول العمر، كما قال تعالى:﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾. 2.

     وهنا تأتي المبادرة وهي "استنفار وعي" يدرك أن اللحظة الحاليّة هي الحقيقة الوحيدة التي يملكها الإنسان، وأن الخوف من "بغتة الأجل" يجب أن يكون محرّكاً للإنجاز لا مشلاً للحركة.

​ استثمار الآن الحاضرة 

       ​إن قوله (عليه السلام) "ما فات أمسِ من العمر لم يُرجَ اليوم رجعته" يغلق باب الندم العقيم ويفتح باب العمل الواقعيّ،  فالأمس تحوّل إلى ذكرى، والغد غيب لا نملكه، ولا يبقى لنا إلّا "الآن" كمساحة وحيدة لفعل ما ينفع.

     إنّ استثمار اللحظة الحاضرة يعني تحويلها من وقت ضائع في القلق على الرزق (المضمون بالسعي) إلى وقت مستثمر في بناء الذات والآخرة.

​
      إنّ هذه الكلمة تدعونا لنكون "مقتصدين" في تعاملنا مع الزمن؛ فالعاقل هو من لا ينفق "العملة الصعبة" (العمر) ليشتري بها "عملة رخيصة" (رزقاً يمكن تعويضه)، بل يجعل من عمره جسراً لعملٍ يبقى أثره حتى بعد انقضاء الأجل.

الدعاء-بصالح-الأعمال.jpg