عليٌّ: هندسةُ المعنى ومحورُ الحقيقة في الوجود

حرفُ الكاتب:

"أخجل يا عليّ أن أضع اسمي إلى جوار اسمك، ولعلّي لا أملك إلا هذا الحرف الحزين؛ لعلّه يكون لي سبب نجاةٍ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون."

ليست العقيدةُ ألفاظًا تُتلى، ولا مفاهيمَ ذهنيّةً مجرّدة، بل هي منظومةُ معانٍ حيّة تتجلّى في رموزٍ جامعة تختصر الحقيقة وتُجسّدها في أوضح صورها. ومن هنا يبرز اسمُ عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه بوصفه العنوان الأبرز، والرمز الأوضح، والمعنى الأنجح لعقيدة الإيمان بمحمدٍ وآل محمد صلوات الله عليهم؛ إذ إنّ فهم الدين في عمقه لا ينفكّ عن فهم موقع عليٍّ في هندسة هذا المعنى الكوني.

إنّ الحقّ يدور مع عليّ حيثما دار، لا أنّ عليًّا يدور مع الحقّ. وهذه العبارة، على وجازتها، تكشف عن حقيقةٍ عميقة: أنّ عليًّا ليس تابعًا لمعيارٍ خارج عنه، بل هو المعيار الذي يُقاس به الحقّ، والدليل الذي يُهتدى به في موارد الالتباس. ومن هنا كان التمسّك به تمسّكًا بجوهر الحقيقة لا بمظهرٍ من مظاهرها.

وفي سياق بيان العلاقة بين التوحيد والولاية، يرد الحديث القدسي: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي». غير أنّ هذا الحصن ليس بلا شروط، بل له شروطٌ تُتمّ معناه، وقد ورد في بعض الروايات: «بشرطها وشروطها وأنا من شروطها». وهنا تتجلّى الولاية بوصفها شرطًا جوهريًا في تحقق التوحيد، بل تتجاوز ذلك إلى كونها أصل الأصول، إذ بها تُبنى سائر المعاني وتنتظم.

وقد أكّد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هذا المعنى حين خاطب أمير المؤمنين بقوله: «يا علي، أنت أصل الدين، ومنار الإيمان، وغاية الهدى». فالإمامة في هذا الأفق ليست فرعًا، بل أصلٌ من أصول الدين، بل أصل الأصول. ومن هنا يُفهم أنّ عليًّا هو الصورة الأكمل لولاية محمدٍ وآل محمد، وأنّ هذه الحقيقة تمتدّ في كلّ زمان عبر إمام الزمان الذي يمثّل الامتداد الحي لهذا الأصل الواحد.

وإذا كان محمدٌ وآل محمد هم العنوان الأشمل للولاية الإلهية، فإنّ عليًّا هو العنوان المُكثّف الذي تختصر فيه هذه الحقيقة. فحين يُذكر عليّ، فإنما يُشار إلى منظومةٍ كاملة من الهداية والولاية، ولهذا جاءت آية الغدير لتؤكّد أنّ تبليغ هذه الحقيقة هو تمام الرسالة وكمالها.

وفي بعدٍ آخر، وُصف أمير المؤمنين بأنّه «باب الله»، وهو تعبيرٌ يحمل دلالةً عميقة؛ إذ إنّ الوصول إلى رحمة الله إنما يكون عبر هذا الباب. فهو بابٌ يُفتح لأهل الاستحقاق، ويُغلق عمّن أعرض، فتتجلّى من خلاله حكمة الله في الهداية والجزاء.

ولا تقف دلالة عليٍّ عند حدود الهداية النظرية، بل تمتدّ إلى جوهر العبادة؛ فقد ورد عنه عليه السلام: «أنا الصلاة، وأنا الصيام». وهذا لا يُفهم بمعناه الظاهري، بل يشير إلى أنّ روح العبادة وكمالها لا ينفصلان عن الولاية، وأنّ الأعمال لا تبلغ تمامها إلا بالارتباط بهذا الأصل.

وتتسع هذه الرؤية حتى تشمل الوجود بأسره، حيث ورد عنهم: «نحن الأسماء الحسنى»، و«نحن أصل كل برّ». فكلّ خيرٍ في الوجود فرعٌ عن هذا الأصل، وكلّ هدايةٍ منه تصدر وإليه تعود.

وفي القرآن الكريم تتكرّر ظاهرة اقتران التوحيد بالإحسان إلى الوالدين، وعلى مستوى الإشارة الباطنية فُسّرت بأنّ «الوالدين» الحقيقيين هما محمدٌ وعليّ صلوات الله عليهما وآلهما، وأنّ طاعتهما امتدادٌ لطاعة الله في بعد الهداية والولاية. ولا يُلغي هذا المعنى الظاهر، بل يُكمّله، إذ تبقى طاعة الوالدين في بعدها الإنساني والتربوي قائمة، لكنها تُفهم أيضًا بوصفها إعدادًا روحيًا لطاعة الله وأوليائه في مقامهم الأعلى.

وبهذا الفهم، لا تكون الطاعة مطلقة منفصلة عن الحق، بل منضبطة به، قائمة في دائرة العدل، متجهة نحو الخير، تُمارَس في الدنيا ضمن إطارها الصحيح، دون تجاوز لحدود الهداية الإلهية.

وفي هذا السياق، ورد عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: «أنا وعليّ أبوا هذه الأمة»، وهو تعبيرٌ يكشف عن عمق العلاقة بين القيادة الإلهية والأمة. فكما أنّ الوالدين سببٌ في الوجود ضمن النظام الطبيعي، فإنّ النبي وعليًّا صلوات الله عليهما مصدر الهداية والوجود المعنوي، بما يفيضانه من نور العلم الذي به تُحيا القلوب.

وخلاصة القول، إنّ الحديث عن عليٍّ عليه السلام ليس حديثًا عن شخصيةٍ تاريخيةٍ فحسب، بل عن مبدأٍ كونيٍّ تتجلّى فيه معاني الحقّ والهداية. فهو العنوان الذي تختصر فيه الإمامة، والرمز الذي تتكثّف فيه الولاية، والمعنى الذي به يُفهم الدين في أعمق مستوياته. ومحمدٌ وآل محمد صلوات الله عليهم نورٌ من نور الله، تتجلّى بهم أنوار الهداية في الخلق وتُستضاء بهم سبل المعرفة الإلهية.

ومن هنا، فإنّ إدراك هذه الحقيقة هو مدخلٌ لفهم الوجود على ضوء الهداية الإلهية، والسير في طريقها على بصيرةٍ ويقين.

علي.jpg