اختصارُ الدنيا بينَ حكمةِ الزهدِ وجمالِ الإحساسِ

 في لحظةٍ تأملُ صادقة، قدْ تبدو الدنيا كلها فكرةٌ مختصرة: نحنُ فيها عابرون، وهيَ ليستْ غايةً بلْ طريق. هذا المعنى العميقِ عبرَ عنهُ الشاعرُ الزاهدُ أبو العتاهية، حينُ دعا إلى التخففِ منْ زينةِ الدنيا وعدمِ الركونِ إليها، مؤكدا أنَ ما فيها زائلٌ لا محالة. يقولَ أبو العتاهية:
 ألا إنما الدنيا كظلٍ زائلٍ يقلبهُ بعدَ الصفاءِ كدورِ
 فلا تركنَ للدنيا وزينتها فكلَ الذي فيها إلى زوالٍ يصيرُ
 ويقولُ أيضا: 
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشفتْ لهُ عنْ عدوٍ في ثيابِ الأحبابِ.
 في هذهِ الأبياتِ دعوةً واضحةً إلى النظرِ للدنيا بعينِ البصيرة، لا بعينِ الانبهار؛ فهيَ قدْ تخدعُ بزخرفها، لكنها لا تدومُ لأحد.
  أنَ صورةَ الدنيا لا تكتملُ منْ زاويةِ الزهدِ وحدها، فهناكَ بعدٌ آخرَ يعبرُ عنْ عمقِ التجربةِ الإنسانية، نجدهُ في صوتِ أمْ كلثوم، حيثُ تغني للدنيا كمساحةِ شعورٍ ومعنى:
 هذهِ الدنيا كتاب أنتَ فيهِ الفكرُ
 هذهِ الدنيا لياليَ أنتَ فيها العمرُ 
هذهِ الدنيا عيون أنتَ فيها البصرُ 
هذهِ الدنيا سماءً أنتَ فيها القمرُ 
   فارحمْ القلبَ الذي يصبْ إليكَ فغدا تملكهُ بينَ يديكَ هنا تتحولُ الدنيا منْ دارِ فناءٍ إلى عالمِ حيٍ نابضٍ بالمشاعر؛ فيها الحب، والرجاء، والتعلق. وكأنَ الإنسان، رغمَ علمهِ بزوالِ كلِ شيء، لا يستطيعُ أنْ يمنعَ قلبهُ منْ أنْ يحيا ويشعر. وبينَ هذينِ المعنيين، يأتي التوجيهُ الإلهيُ ليضعَ الميزانُ الدقيق، 
كما في قولهِ تعالى: ( قلْ اللهمَ مالك الملكُ تأتيَ الملكَ منْ تشاءُ وتنزعُ الملكَ ممنْ تشاءُ وتعزُ منْ تشاءُ وتذلُ منْ تشاء، بيدكَ الخيرَ أنكَ على كلِ شيءٍ قديرٍ ، تولجَ الليلَ في النهارِ وتولجُ النهارَ في الليل، وتخرجَ الحيُ منْ الميتِ وتخرجَ الميتُ منْ الحيِ وترزقُ منْ تشاءُ بغيرِ حساب؟ آلُ عمران: 26- 27. فالملكُ كلهُ لله، والتدبيرُ بيدهِ وحده، والإنسانُ يعيشُ ضمنَ هذهِ المشيئةِ الإلهية؛ يسعى ويعمل، لكنهُ يدركُ أنَ النتائجَ ليستْ بيده. 
   ومنْ هنا، لا يكونُ الإنسانُ مجردَ بيادق، بلْ مخلوقُ مكرمْ مكلف، لهُ إرادةٌ واختيار، ومسؤول عنْ أفعاله. إنَ اختصارَ الدنيا لا يعني تركها، بلْ فهمها: إنَ نعملَ فيها دونَ أنْ نستعبدَ لها، وأنْ نشعرَ بجمالها دونَ أنْ نتعلقَ بزوالها، وأنْ نسلمَ أمرنا للهِ معَ الأخذِ بالأسباب. 
  وهكذا تلتقي الحكمةُ معَ الإحساس: حكمةُ أبي العتاهية التي تدعو إلى الزهد، وإحساسَ أمْ كلثومْ الذي يعبرُ عنْ نبضِ القلب، وتوجيهَ القرآنِ الذي يضعُ الميزانُ بينهما. 
وخلاصةُ القول: الدنيا ليستْ شيئا واحدا؛ هيَ طريقُ نمرِ به، وتجربةُ نعيشها. فخذُ منها ما يقربكَ إلى الله، ودعَ ما يثقلكَ عنها، وعشها بقلبٍ يشعرُ … لكنْ لا يتعلقُ إلا بالخالق.

الزهد.jpg