السادة النقاد عذراً.. أنا مجرم خطير

 يسعى بعض النقاد الأكاديميين من أصحاب الشهادات الأكاديمية إلى الاستحواذ على الحيّز النقدي بحجج واهية، عنوانها وجود أخطاء قواعدية في حركات الإعراب، وحقيقة هذه الهفوات لا تقتصر على غير الأكاديميين، وقد شهدنا جولات ميدانية أظهرت لنا أن الناقد الأكاديمي غير معصوم من الزلل، بل وجدنا عثرات فادحة.
النص بحد ذاته كيان معرفي يقوم على الشكل والمضمون، ويُبث بصياغات جمالية، منها الواقعي والمتخيل، تدعمها الموهبة والدراية إلى المتلقي. فهل يطمح النقاد الأكاديميون إلى احتكار القراءة أيضاً؟
مثلما يكتب النص ناقد أكاديمي، فهل يلزم أن يقرأه متلقٍ أكاديمي حصراً، يدرك خصائصه المتناغمة والمتباينة، وكأن الشهادة الأكاديمية هي الذهنية الوحيدة القادرة على تفكيك النص، ولم نقل تقويمه أو تقييمه. فالمطمار أو البلوميت، وما يُعرف بالشاقول لضبط استقامة الحوائط، تعين الناقد الأكاديمي المتخصص في كشف الغامض، وضبط المنفلت، وتنظيم الفوضى، والغوص في أعماق المتخيل، وصولاً إلى إعادة إنتاج النص وتمثل تجاربه ومآزقه الواقعية والمتخيلة.
نفس الناقد الذي يعترض على الكتّاب غير الأكاديميين، جلّ متابعيه هم قراء غير متخصصين في النقد الأكاديمي، فهل نُقصي عنهم حق الرأي والانطباع ووجهات النظر أو الكتابة الانطباعية، بذريعة صون قدسية النقد الأكاديمي؟
إلى السادة النقاد، عذراً، أنا مجرم خطير. أقرأ المنجز بشغف العاشق، أتتبع التفاصيل الدقيقة في النص، وأرصد أوجه التباين والانسجام بين أجزائه، وأستخلص الروابط المؤثرة بينها لمعرفة الكيان الكلي (النص). فالديباجة بوصلتي لتكوين رؤية متكاملة عن العمل.
فعلاً يا سادة يا نقاد، أتمادى أحياناً فأغوص في عبثي غير البريء، فأرتكب جرمي بحق النص، أعمد إلى تفكيكه إلى وحدات جزئية، ثم تشريحها وفق رؤيتي الانطباعية (بالاستقراء)، وأتجرأ أكثر حين أسعى لاستنباط قوانينه السطحية والعميقة. والرؤية التي أنطلق منها في قراءاتي الانطباعية تبدأ من الكل ثم تنتهي إلى الجزء لاحقاً.
وأقترف جرمي بسبق الإصرار والترصد، إذ لا أطيق تلك القوانين المقيدة التي أعدّها قيوداً، وكثير من التجارب النقدية الأكاديمية قدمت مستويات محدودة بسبب ضعف القدرة على الفرز، وفسّرت نصوصاً لا تستحق هذا القدر من الاهتمام النقدي، وانفصلت عن واقع النقد حين بالغت في التركيز على الأبعاد النظرية والفلسفية، دون الالتفات إلى مكونات النص (أبجدية المنجز) وقراءة محتواه وتحليل آلياته.
إن الإفراط في النقد يفضي إلى شيوع النقد غير البنّاء، حيث يتحول من أداة لتطوير القاعدة النقدية إلى مجرد تهجم والبحث برؤى متشائمة دون الاستناد إلى أدلة راسخة، مما يجرده من قيمته العلمية من حيث الموضوعية والنزاهة الأكاديمية. ويُنظر إلى النقد الأكاديمي بوصفه وسيلة ضرورية لاستيعاب الأبعاد الفلسفية والنفسية، لا لممارسة دور الرقيب أو الشرطي.
عذراً يا سادة يا نقاد، جرائمي الكبرى التي تحمل طابع الانطباعية تجعلني أنبهر أمام جلال النص البديع، ولا يلفتني النص الضعيف فأعرض عنه، وحين تعتريني نشوة الروح أسعى إلى إشراك المتلقي في عوالمه الفنية الثرية.
يعيب عليّ أحد الدكاترة أني مضطراً أستعين بأحكام روّاد النقد من الأكاديميين، غير أنه مدحني من حيث لا يدري، فأنا حر طليق، أنتقي ما أشاء لتعزيز الذائقة، لا لصياغة قواعد جامدة تُقحم على النصوص. متلقٍ واعٍ أدرك ماذا أقرأ، مرجعيتي شغفي. أنا أطالع المنجز، أستكشفه، أتذوقه، وأقرأ ما يتضمنه لا ما ينبغي أن يحتويه.
أبحث في بنية النص، في نسق الصياغة، فهل حُرّم الخروج عن المنهج الأكاديمي؟ هناك نقاد كبار خارج الإطار الأكاديمي، يمتلكون رؤى نقدية غير مقيدة، بل منفتحة على ما يمنحه النص. فاللامنهج في تشريح النص قد يكون هو المنهج ذاته، والمنهج الاشتباكي هو الأقرب إلى المنهج التكاملي الذي يستثمر طاقات المناهج كافة، حيث تتداخل العناصر وتتفاعل كيميائياً لتكشف آفاقاً مدهشة وعميقة.

النقد_الادبي.jpg