علوّ بني إسرائيل.. والمنتقمون قبل الظهور!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قال تعالى في سورة الإسراء متحدِّثاً عن بني إسرائيل:
 
﴿وَقَضَيْنا إِلى‏ بَني‏ إِسْرائيلَ فِي الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبيراً * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولي‏ بَأْسٍ شَديدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبيراً﴾ (الإسراء4-7).
 
وورد في بعض النصوص في تفسير هذه الآية - ولو في أخبارٍ ضعيفة - أنَّ الله تعالى سيبعث قوماً قبل خروج الإمام المهدي عليه السلام، لا يدعون وتراً لآل محمدٍ إلا قتلوه، كما في الخبر عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قال عليه السلام: قَوْمٌ يَبْعَثُهُمُ الله قَبْلَ خُرُوجِ القَائِمِ (ع)، فَلَا يَدَعُونَ وَتْراً لآِلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَتَلُوه‏ (الكافي ج8 ص206).
 
لذا قد يقال:
 
إذا ضممنا الرواية إلى الآيات، استفدنا أنَّ هذه الأحداث لم تقع بعد، وأنَّ الله تعالى سيبعث هؤلاء العباد في زمن الغيبة قبل ظهور المهدي عليه السلام، وأنَّهم سيقتلون بني إسرائيل وينتقمون منهم، وهذا يدلُّ على إيمانهم ومشروعية فعلهم، وهو مساوقٌ لجواز القيام في زمن الغيبة، بل قد يُفهَم منه جواز التمهيد أو لزومه.
 
ويُلاحَظُ على هذا الاستدلال:
 
أنَّه تارةً يكون بظاهر الآيات، وأخرى بباطنها:
 
أولاً: الاستدلال بظاهر الآيات
 
إنَّ الحديث في هذه الآيات بحسب ظاهرها هو عن بني إسرائيل خصوصاً، وقد وقع الكلام في أنَّه هل تحقَّقَ العلوّ منهم مرَّتان أم لا؟ وهل تحقَّق الوعدان بما فيهما الوعد الآخر؟ أم أنّهما أو أحدهما مستقبليٌّ لم يحصل بعد؟
 
إنَّ الآيات المباركة لم تُبَيِّن ذلك بشكلٍ جَليّ، وقد اختلف المفسِّرون في ذلك اختلافاً عظيماً، فالناس:
 
1. بين قائل بوقوعهما معاً
مع تفسير الفسادَين بقتل زكريا ويحيى.
ومع تفسير المبعوثين للانتقام بسابور الفارسي وبخت نصر، أو ببخت نصر وقيصر الروم إسبيانوس.
 
وقد رجَّح ذلك صاحب تفسير الميزان بقوله: والذي يظهر من تاريخ اليهود أنَّ المبعوث أولاً لتخريب بيت المقدس هو بخت نصر، وبقي خراباً سبعين سنة، والمبعوث ثانياً هو قيصر الروم اسبيانوس.. فخرب البيت وأذلَّ القوم قبل الميلاد بقرنٍ تقريباً. وليس من البعيد أن يكون الحادثتان هما المرادتان في الآيات (تفسير الميزان ج١٣ص٤٤).
أو مع تفسير الفسادَين بنوعين من المعاصي، والبعثين ببعث بخت نصر عليهما مرتين (قصص الأنبياء للراوندي ص223).
أو غير ذلك من الاحتمالات الكثيرة في تحديد مصداق وقوع الفسادين والبعثين.
 
2. وبين قائلٍ بوقوع أوَّلهما فقط
الذي قد يكون المراد منه قتل يحيى، حيث بعث الله بعده بخت نصر وانتقم منهم، وأنَّ العلو الثاني قد يكون هو علوّ اليهود المعاصر، أو أنَّنا في مقدماته ولم يتحقَّق بعد، وأنَّ الله تعالى سيبعث قوماً قبل ظهور المهدي عليه السلام لينتقموا منهم.
 
3. وبين قائلٍ بعدم وقوعٍ أيٍّ منهما
وأنَّ كلَّ هذا سيقع في المستقبل، كما التزم به السيد جعفر مرتضى العاملي بقوله: كل ذلك سوف يحصل في المستقبل، حسبما تفيده الآيات الكريمة، مع العلم بأنه لم يحصل من ذلك شيء في الماضي (الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج٣ ص١٣٣).
 
ويُلاحَظُ هنا:
 
أنَّ كلُّ ما ذُكِرَ هو احتمالات، أو ترجيحاتٌ لا تصل إلى مستوى القطع واليقين، فيكون مصداق الآية من هذه الجهة مُجمَلاً لا طريق للقطع به.
فلا يصحُّ الاستدلال بها على المطلوب، ولا يمكن الجزمُ بأنَّ الله تعالى سيبعث قوماً من المؤمنين في أيامنا أو بعدها للانتقام من اليهود، ولا أنَّ الآية تدل على جواز الثورة والقيام والخروج في زمن الغيبة.
 
ثمَّ إنَّه قد وقع الخلاف أيضاً بين المفسرين في أنَّ هؤلاء العباد هل هم ممدوحون صالحون؟ أم يمكن ألا يكونوا كذلك؟ مع كونهم مبعوثين من الله تعالى؟
 
التزم جملةٌ من المفسرين بعدم الملازمة بين الأمرين، فقال صاحب تفسير الميزان:
ولا ضير في عَدِّ مجيئهم إلى بني إسرائيل مع ما كان فيه من القتل الذريع والأسر والسبي والنهب والتخريب بَعثاً إلهياً، لأنه كان على سبيل المجازاة على افسادهم في الأرض وعلوّهم وبغيهم بغير الحق.. وبذلك يظهر ان لا دليل من الكلام يدل على قول من قال: ان المراد بقوله: ﴿بعثنا عليكم..﴾ أَمَرنَا قوماً مؤمنين بقتالكم وجهادكم.. وكذا لا مانع من عَدِّ الكفار عباداً لله (تفسير الميزان ج١٣ص39).
 
فيما التزم آخرون بالملازمة، فقال السيد جعفر مرتضى:
إننا لا نستطيع - بدورنا - أن نقبل: أن الله تعالى يؤيد الظالمين والمجرمين بأيّ وجه، نعم، هو يخلي بينهم وبينهم، ويوقف تأييداته لهم، وهذا غير تأييده لأولئك، وبعثهم على هؤلاء.
إلا أن يُدَّعَى أنّ المراد هو التسليط عليهم، وذلك بالتخلية فيما بينهم، ووقف التأييدات للفئة المؤمنة بسبب ما فعلته.
لكن يرد عليه: أن نسبة البعث والإمداد، ورد الكرة - والحالة هذه إلى الله سبحانه - تصبح غير ظاهرة، ولا مقبولة (الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج٣ ص١31).
 
ويلاحظ على هذا الإشكال أنَّه مخالفٌ لما ورد في نصوص مختلفة، كالخبر المروي عن الصادق عليه السلام: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لهُم، فَلْيَتَّقِ الله عَزَّ وَجَلَّ امْرُؤٌ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُم‏ (الكافي ج5 ص19).
وقد روى السنة في صحاحهم هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: وَإِنَّ الله لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ (صحيح البخاري ج4 ص72، ومسلم ج1 ص73).
 
‏فكما تصحُّ نسبة نصر الله لدينه بمن لا خلاق لهم دون تأييدهم في باطلهم، تصح نسبة بعث الله للفجار وغير المؤمنين لتأييد الدين دون لازمٍ فاسد.
 
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في قصة قتل يحيى عليه السلام: فَأَتَوْا بِرَأْسِ يَحْيَى (ع) فِي طَشْتٍ.. ثُمَّ غَلَى الدَّمُ فِي طَشْتٍ حَتَّى فَاضَ إِلَى الْأَرْضِ، فَخَرَجَ يَغْلِي وَلَا يَسْكُنُ! (تفسير القمي ج‏1 ص88).
من ثمَّ مرَّت 100 عامٍ على دم يحيى وهو يغلي! حتى جاء بخت نصر وقال: لَأَقْتُلَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبَداً حَتَّى يَسْكُنَ هَذَا الدَّمُ!.. وَلَمْ يَزَلْ بُخْتَ‏نَصَّرُ يَقْتُلُهُمْ.. وَالدَّمُ يَغْلِي وَلَا يَسْكُنُ حَتَّى أَفْنَاهُمْ.. فَسَكَنَ! (تفسير القمي ج‏1 ص88).
فانتقم الله منهم ببخت نصر وهو ليس من أهل الحقّ والإيمان.
 
وعليه فإنَّ الآية المباركة مُجمَلَةٌ من حيث كون هؤلاء القوم مؤمنين أو غير مؤمنين، فلا يصحُّ الاستدلال بهذا من هذه الجهة أيضاً، ولا يثبت وجوب أو جواز القيام من هذه الآيات.
 
ثمَّ إنَّه لمَّا ثبت أنَّ فلسطين ستكون في يد السفياني قبل ظهور الإمام عليه السلام، فحتى لو قُدِّرَ للمؤمنين أن يدخلوا إليها يوماً ما، فلن تظلَّ في أيديهم بعد ذلك.
 
بل يخشى المؤمنُ أن يكون بفعله غير المأذون مُمَهِّداً ومُعيناً للسفياني في الدخول إليها، إن قامَ بدورٍ غير مطلوبٍ منه في إخراج بعض أعداء الله منها، ليدخلها أعداءٌ آخرون!
 
هذا كلُّه لو كان الاستدلال بظاهر الآيات.
 
ثانياً: الاستدلال بباطن الآية أو تأويلها
 
بضميمة الخبر المروي عن الصادق عليه السلام، فإنَّ نص الخبر كما يلي:
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (ع) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قَالَ: قَتْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)، وَطَعْنُ الحَسَنِ (ع).
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ قَالَ: قَتْلُ الحُسَيْنِ (ع).
﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ فَإِذَا جَاءَ نَصْرُ دَمِ الحُسَيْنِ (ع).
 
﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾: قَوْمٌ يَبْعَثُهُمُ الله قَبْلَ خُرُوجِ القَائِمِ (ع)، فَلَا يَدَعُونَ وَتْراً لآِلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَتَلُوهُ.
﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا﴾: خُرُوجُ القَائِمِ (ع).
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: خُرُوجُ الحُسَيْنِ (ع) فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ.. (الكافي ج8 ص206).
 
بتقريب أنَّ هؤلاء قومٌ يأخذون ثأر آل محمد قبل الظهور، فيكون الأمر سائغاً جائزاً.
 
فإنه يلاحظ عليه:
 
أنَّ موضوع الرواية تأويلٌ مغايرٌ للظاهر الذي يتحدَّث عن اليهود، فهي تتحدثَّ عن قومٍ من هذه الأمَّة، كما في تفسير القمِّي:
وأما ما هو مخاطبةٌ لقومٍ ومعناه لقومٍ آخرين، فقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ (أنتم يا معشر أمة محمد) ﴿فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ فالمخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى لأمة محمد (ص) (تفسير القمي ج1 ص16).
 
أي أنَّه بحسب هذا التأويل فإن الإفساد يقع من هذه الأمَّة، والعقاب يقع عليها، لا على بني إسرائيل.
وأنَّ الإفسادان يقعان متتاليين، دون أن يتخلَّلَ بينهما انتقامٌ من هذه الأمة كما كان حال بني إسرائيل، بل يكون الانتقامان متتاليين أيضاً، أحدهما بخروج الإمام المهدي عليه السلام، والآخر برجعة الحسين عليه السلام.
 
وأنَّ المراد من المسجد بحسب هذا التأويل هو المسجد الحرام في مكة، بخلاف ظاهر الآية عند الحديث عن اليهود.
فهذا الخبرُ لا صلة له باليهود وبني إسرائيل، وموضوعه بتمامه هو هذه الأمَّة وظلمها لآل محمدٍ عليهم السلام وانتقام الله تعالى منهم.
 
لذا لا يصحُّ ضمُّ هذا الخبر (الباطن أو التأويل) إلى ظاهر الآية، للقول بأنَّ الله تعالى يبعث قوماً من هذه الأمة للانتقام من بني إسرائيل، فانتقامُ قومٍ من هذه الأمة من بني إسرائيل أجنبيٌّ عن باطن الآية والأخبار الواردة فيها، والقوم الذين ذكرتهم الأخبار ينتقمون من هذه الأمة لا من بني إسرائيل.
 
وقد وقع الكلام أيضاً في تشخيص القوم المنتقمين، الذين (يبعثهم الله قبل خروج القائم عليه السلام).
 
فعن الشيخ المازندراني (المتوفى سنة1081 هـ): هم قومٌ كأبي مسلم والمسيب والمختار وأتباعهم، أو غيرهم على احتمال (شرح الكافي ج‏12 ص260).‏
 
لكنَّ الظاهر أنَّ الخبرَ أجنبيٌّ عن هذا المعنى أيضاً، فالراجح أنَّهم قومٌ يتَّصل بعثهم بظهور الإمام عليه السلام فِعلاً، لكنه ليس على النحو المُدَّعى، فليسوا قوماً يخرجون بالسيف قبل الإمام، بل قومٌ يبعثهم الله من الموت قبل ظهوره عليه السلام!
 
إنَّ هؤلاء قومٌ من أهل الرجعة، يعيدهم الله تعالى للحياة قبل ظهور الإمام، لكنَّ انتقامهم يكون مع الإمام عليه السلام بعد ظهوره!
ومن الشواهد على ذلك أنَّ خروج هؤلاء الذي عبَّرَت عنه الآية المباركة: ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا﴾، قد ورد تفسيره في الخبر نفسه بأنَّه: خُرُوجُ القَائِمِ (ع).
 
وقد أوضحت هذا المعنى روايات أخرى، منها ما روي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية، ففي تفسير العياشي عن حمران عن أبي جعفر (ع): قال كان يقرأ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، ثم قال: وهو القائم وأصحابه أولي بأسٍ شديد (تفسير العياشي ج‏2 ص281).
 
فيكون بَعثُ هؤلاء وخروجهم قبل ظهور الإمام عليه السلام، ولكنَّهم يأخذون بالثأر معه حيث يكونوا من أصحابه، وقد دلَّت على هذا المعنى روايات عديدة نتعرَّض لها في بحث الرَّجعة إن شاء الله.
ولعله ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام من بدء الرجعة قبل ظهور الإمام عليه السلام، بين جمادى ورجب، حين قال: العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَرَجَبٍ!
ثم فسَّرَ ذلك بقوله: جَمْعُ أَشْتَاتٍ وَنَشْرُ أَمْوَاتٍ! (معاني الأخبار ص406).
 
وزادها وضوحاً في حديثٍ آخر بقوله: وَأَيُّ عَجَبٍ يَكُونُ أَعْجَبَ مِنْ أَمْوَاتٍ يَضْرِبُونَ هَامَاتِ الأَحْيَاءِ! .. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ قَدْ تَخَلَّلُوا سِكَكَ الكُوفَةِ وَقَدْ شَهَرُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ، يَضْرِبُونَ كُلَّ عَدُوٍّ لله وَلِرَسُولِهِ (ص) وَلِلْمُؤْمِنِينَ! (مختصر البصائر ص468).
 
فيكون هؤلاء المبعوثون هم أهل الرجعة، وقتالهم يكون مع الإمام المهدي عليه السلام، وهذا المعنى هو الذي استفاده الفيض الكاشاني أيضاً من هذا الخبر: قَوْمٌ يَبْعَثُهُمُ الله قَبْلَ خُرُوجِ القَائِمِ (ع)، فقال:
وهذا الخبر صريحٌ في وقوع الرَّجعة التي ذهب إليه أصحابنا رضي الله عنهم، قال شيخنا المتقدم أبو علي الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان قد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد (ع) في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته.. (الوافي ج‏2 ص460).
 
وهذا المعنى في القرآن والأحاديث ليس بعزيز، فالآيات والروايات التي ذكر فيها (البعث) وأريد فيها (الرجعة) كثيرة:
منها قوله تعالى في قصة المختَارِين من قوم موسى بعدما أصابتهم الصاعقة: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُم‏﴾ (البقرة56).
 
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ الله مَنْ يَمُوت‏﴾ حيث بيَّن الإمام الصادق عليه السلام أنها في الرجعة بقوله:
لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قبائع (مقابض) سيوفهم على عواتقهم، فيبلغ ذلك قوماً من شيعتنا لم يموتوا، فيقولون: بعث فلان وفلان من قبورهم مع القائم.
 
فيبلغ ذلك قوماً من أعدائنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تكذبون فيها! لا والله ما عاشوا ولا تعيشوا إلى يوم القيامة، فحكى الله قولهم فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ..﴾ (تفسير العياشي ج2 ص259).
 
أمّا ما رواه المجلسيّ عن الإمام الصادق عليه السلام عندما قرأ هذه الآية ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا..﴾.
فقيل له عليه السلام: جُعِلْنَا فِدَاكَ مَنْ هَؤُلَاء؟
فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: هُمْ والله أَهْلُ قُمَّ (بحار الأنوار ج57 ص216).
 
وما رواه عن الإمام الكاظم عليه السلام:
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ قُمَّ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الحَقِّ، يَجْتَمِعُ مَعَهُ قَوْمٌ كَزُبَرِ الحَدِيدِ، لَا تُزِلُّهُمُ الرِّيَاحُ العَوَاصِفُ، وَلَا يَمَلُّونَ مِنَ الحَرَبِ، وَلَا يَجْبُنُونَ، وَعَلَى الله يَتَوَكَّلُونَ، وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (بحار الأنوار ج57 ص216).
 
فليس فيهما دلالةٌ على وقت ظهور هؤلاء، والراجح أنَّ موضوع الخبرين هو زمن الظهور نفسه، بحيث يجتمع أهل قمّ مع الإمام عليه السلام، فيكونوا من أصحابه المنتقمين الآخذين بالثأر.
 
ويظهر ذلك جلياً بضمّ هذين الخبرين إلى خبرٍ آخر عن الصادق عليه السلام يقول فيه: إِنَّمَا سُمِّيَ قُمَّ لِأَنَّ أَهْلَهُ يَجْتَمِعُونَ مَعَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ، وَيَقُومُونَ مَعَهُ، وَيَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ وَيَنْصُرُونَهُ (بحار الأنوار ج57 ص216).
 
وسواءٌ أريد بقم المدينة المعروفة، التي ثبت لها فضيلة خاصة، وبأهلها سكانها، أم كان ذلك إشارةً إلى تلك البلاد عموماً، أو إلى عموم الشيعة، كما قد يستفاد من حديث الإمام الصادق عليه السلام عندما دخل عليه قومٌ من أهل الريّ: وَقَالُوا: نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ.
فَقَالَ: مَرْحَباً بِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ قُمَّ!
فَقَالُوا: نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ!
فَأَعَادَ الكَلَامَ!
قَالُوا ذَلِكَ مِرَاراً! وَأَجَابَهُمْ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ أَوَّلًا! (بحار الأنوار ج57 ص216).
 
فأقصى ما تدلُّ عليه هذه الأخبار هو أن هذه الفئة من أهل قم ستنصر الإمام وتجتمع معه وتقاتل بين يديه بشجاعة وقوَّة، وهو شرفٌ عظيم نسأل الله تعالى أن نوفَّق له وجميع المؤمنين.
 
ولكن، ليس في كلِّ هذه الروايات ما يصلح لإثبات أيِّ حكمٍ في زمن الغيبة في قبال ما دلَّ على المنع من الحراك المسلح والتمهيد العسكري للإمام المهدي عليه السلام.
 
ولا شيء منها يتضمن الحثَّ على الانتقام من أعداء آل محمدٍ قبل ظهور المهدي عليه السلام، فالمؤمنون ينتظرونه ولا يستبقونه ولا يتقدَّمون عليه.

بني اسرائيل.jpg