من أساطين علمائنا... المجدد محمد بن ادريس الحلي


هو محمد بن إدريس بن أحمد بن إدريس بن الحسين بن القاسم بن عيسى الحلي العجلي(نسبة إلى عجل بن لجيم، وهي قبيلة من بني ربيعة)، وقيل: محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس وقيل أيضا أبو عبد اللّه العَجْلي الحلّي، فقيه اِمامي، مصنّف كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي. ولد في مدينة الحلة سنة 543 هجرية تقريبا. ذُكرت له في كتب الفقه والتراجم أسماء وألقاب مختلفة. لكنه كان يقول عن نفسه في كتابه السرائر إنه محمد بن إدريس. فيكون اسمه الكامل محمد (بن منصور) بن أحمد بن إدريس بن الحسين بن القاسم بن عيسى العجلي الحلي. كما تذكر له الكتب والمصنفات ثلاث كنى: أبو عبد الله وأبو جعفر ونادرا أبو منصور.
    أما ألقابه فهي عديدة، منها: فخر الدين وشمس الدين وفحل العلماء وشمس العلماء وملك العلماء والحلي والربعي البجلي والمتأخر الفاضل.
      كان متبحّراً في الفقه محقّقاً ناقدا متّقد الذهن وذا باع طويل في الاستدلال الفقهي والبحث الاَصولي، والأهم أنه كان باعثاً لحركة التجديد فيهما.
     كما اختلف في تاريخ ولادته، فقيل إنه ولد عام 544 هجرية وقيل عام 558 هجرية وقيل عام 543 هجرية. 
دعوته إلى التجديد:
 لا يمكن أن يكون التجديد متاحا لكل وارد، بل أنه يجري من لدن الخبراء به الذين يحيطون بقواعده وأصوله والمتمكنين من القديم منه للانطلاق إلى الجديد. وبناءً على ذلك، جاء ابن ادريس(رضوان الله عليه) ليشرع بتجديد حياة الفقه والاجتهاد. فكان له كبير الأثر في ذلك. 
     قام ابن إدريس (رضوان الله عليه) بدراسة الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه)، جده لأمه، ومحاكمته علميا. وكان في كل ذلك يعتمد على استدلالاته القوية وقدرته على التتبع. فكان أول من فتح باب الطعن على الشيخ الطوسي الذي كان مهيمنا على الجو العلمي لقرن من الزمان بعد وفاته. وقد كان لهيبة الشيخ الطوسي الأثر الكبير في أنظار تلامذته ليمنعهم من نقد نظرياته وآرائه التي كانوا يعتقدون بقداستها. فقلدوه واتبعوه في الفتوى لحسن ظنهم به. 
    فمثلا كان ابن ادريس لا يعمل بالأخبار الآحاد، فسبب له ذلك نقدا كثيرا، مثل الادعاء بأنه مُعرِضٌ عن أخبار أهل البيت(عليهم السلام). لكن المنصفين له من العلماء قالوا بأن حاله حال السيد المرتضى(رضوان الله عليه)الذي لم يكن يعمل بالخبر الواحد مالم يكن محفوفا بالقرائن.   
    وقد تعرض ابن ادريس(رضوان الله عليه) لانتقادات أخرى كثيرة، شأنه شأن المصلحين والمجددين. فقالوا إنه تجرأ على جده الشيخ الطوسي وأساء الأدب معه. لكنه في واقع الأمر، كسر الحاجز النفسي عند بعض العلماء. فأعطى الانطباع بأن المكانة العلمية مهما علت لا يمكن أن تكون عصيّة على النقد. فينبغي عدم التوقف عندها بل أن نبني عليها وننطلق منها عندما تكون صحيحة، وأن نهدمها عندما تكون خاطئة.     
أساتذته ومَن روى عنهم: 
 من أشهر أساتيذه الشيخ ابن شهرآشوب المازندراني والسيّد ابن زهرة الحلبي والشيخ عبد الله بن جعفر الدوريستي والشيخ الحسين بن هبة الله السوراوي والسيّد علي بن إبراهيم العريضي والشيخ عربي بن مسافر الحلّي.
تلامذته ومَن رووا عنه:
من أبرز تلامذته  الشيخ محمد بن جعفر بن محمد بن نما الحلي والسيّد فخار بن معد الموسوي والسيّد محمّد بن عبد الله بن زهرة الحسيني الحلبي والشيخ طومان بن أحمد العاملي والشيخ جعفر بن أحمد بن الحسين بن قمرويه وعلي بن يحيى الخيّاط.

ما قيل في حقّه(رضوان الله عليه):
قال عنه الشيخ ابن داود الحلّي في رجاله: "كان شيخ الفقهاء بالحلّة، متقناً في العلوم، كثير التصانيف" وقال عنه الشهيد الأوّل: "الإمام العلّامة، شيخ العلماء، رئيس المذهب، وفخر الدين" .
     وقال عنه المحقّق الثاني: "الشيخ الإمام السعيد المحقّق، حبر العلماء والفقهاء، فخر الملّة والحقّ والدين." وقال عنه الشيخ البحراني في لؤلؤة البحرين: "وكان هذا الشيخ فقيهاً أُصوليّاً بحتاً، ومجتهداً صرفاً."  وقال عنه الميرزا النوري في الخاتمة: "الشيخ الفقيه، والمحقّق النبيه… العالم الجليل المعروف، الذي أذعن لعلوّ مقامه في العلم والفهم والتحقيق والفقاهة أعاظم الفقهاء في إجازاتهم وتراجمهم." وقال الشيخ التستري: "الشيخ الفاضل الكامل المحقّق المدقّق، عين الأعيان، ونادرة الزمان."  وقال السيّد الخونساري في الروضات: "الحبر الكامل المحقّق العلّامة، فخر الملّة والدين" وقال الشيخ القمّي في الكنى والألقاب: "فاضل فقيه، ومحقّق ماهر نبيه، فخر الأجلّة، وشيخ فقهاء الحلّة". وقال السيّد الأمين في الأعيان: "كان من فضلاء فقهاء الشيعة، والعارفين بأُصول الشريعة" وقال الشيخ آقا بزرك الطهراني في الطبقات: "الشيخ الفقيه العجلي الحلّي." وقال عنه الشيخ الحر في تذكرة المتبحرين: "وقد أثنى عليه علماؤنا المتأخرون، واعتمدوا على كتابه وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدمين وأصولهم، يروي عن خاله أبي علي الطوسي بواسطة وغير واسطة، وعن جده لامه أبي جعفر الطوسي رحمه الله، وأم أمه بنت المسعود ورام، وكانت فاضلة صالحة ". 
   وقال عنه السيد الخوئي(رضوان الله عليه): "وأما قول ابن داود إنه أعرض عن أخبار أهل البيت عليهم السلام بالكلية فهو باطل جزما، فإنه اعتمد على الروايات في تصنيفاته، وكتابه مملوء من الاخبار، غاية الامر أنه لا يعمل بالأخبار الآحاد، فيكون حاله كالسيد المرتضى وغيره ممن لا يعملون بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرائن، ولأجل ذلك ذكر السيد التفريشي ما تقدم منه، كما تقدم عن الشيخ الحر، ما ذكره من أن علماءنا المتأخرين قد أثنوا عليه واعتمدوا على كتابه".
من مصنفاته(رضوان الله عليه):
للشيخ ابن إدريس آثار جليلة. أشهر كتبه السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي. وله مؤلفات أخرى مثل خلاصة الاستدلال ومناسك الحجّ ومختصر التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي ومسائل ابن إدريس. كما إن له كتاب التعليقات من نحو عشرين مجلدا، وهو مجموعة اعتراضات على كتاب التبيان في علوم القرآن لجده الشيخ الطوسي، وقيل عن الكتاب(إنه لم يُعمل مثله) و(إنه عديم النظير في التفاسير)، كما أن فيه حواشي مهمة وأجوبة لبعض الإشكالات والاعتراضات على الشيخ الطوسي.

وفاته(رضوان الله عليه):
توفّي الشيخ ابن إدريس (رضوان الله عليه) في الحلة سنة 598  وله بها مرقد كبير معروف. يقع المرقد على الجهة اليسرى للذاهب من مركز مدينة الحلة إلى مرقد العلوية الشريفة بنت الحسن المجتبى (عليهما السلام). وقد تعهد بعض الغيارى مرقد ابن ادريس بتجديد بنائه منذ مرجعية آية الله السيد محسن الحكيم(رضوان الله عليه). كما تعهده الشعراء بتدوين تاريخ بنائه. 
المصادر:
-    آل سيف، فوزي، 2012، من أعلام الامامية بين الفقيه العماني وآغا بزرك الطهراني. بيروت: دار الصفوة.
-    بناري، علي همت، 2005،  ابن ادريس الحلي رائد مدرسة النقد في الفقه الاسلامي ترجمة حيدر حب الله الطبعة الأولى. بيروت: الغدير للطباعة والنشر.
-    الخوئي، السيد أبو القاسم، 1990، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة الجزء 16. قم المقدسة: مركز نشر الآثار الشيعية. 
-    كمال الدين، السيد هادي حمد، 1962، فقهاء الفيحاء وتطور الحركة الفكرية في الحلة. بغداد: مطبعة المعارف.

            

محمد_بن_ادريس.jpg