الوزارة وسيلة للخدمة أم غاية للمكاسب ؟

مع اقتراب تشكيل الحكومات الجديدة والتصويت عليها، يتداول الإعلام بشكل واسع أسماء المرشحين والتفاهمات السياسية المتعلقة بتقسيم الوزارات بين الكتل والأحزاب. 

وفي خضم هذه الحوارات، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة النظرة إلى الوزارة: هل أصبحت الوزارة وسيلة لخدمة الشعب وتحقيق التنمية، أم تحولت عند بعض القوى السياسية إلى غاية بحد ذاتها ومصدر نفوذ ومكاسب؟

 

إن المتابع للمشهد السياسي يلاحظ أن التنافس على بعض الوزارات لا يرتبط غالباً بحجم الخدمات التي تقدمها للمواطن، بل بما تمتلكه من إمكانات مالية ومشاريع واستثمارات وعقود، بينما تبقى خدمة الناس أقل اهتماماً إذا كانت لا تحقق مكاسب مباشرة.

 

فبدلاً من أن تكون الوزارة مؤسسة لإدارة شؤون الدولة وتلبية حاجات المجتمع، أصبحت في بعض الأحيان أداة لتعزيز النفوذ السياسي وتمويل الحملات الانتخابية وصناعة الولاءات. ومن هنا تتحول العملية السياسية من مشروع لخدمة الشعب إلى عملية استثمار سياسي؛ إذ تُستغل إمكانات الوزارة لشراء الأصوات وكسب التأييد الانتخابي، لا لكسب ثقة الناس عبر الإنجاز الحقيقي.

 

إن أخطر ما ينتج عن هذا النهج هو اتساع الفجوة بين الشعب والسلطة. فكلما شعر المواطن بأن المؤسسات الحكومية لا تعمل لخدمته، بل لخدمة الأحزاب والمتنفذين، تراجعت ثقته بالدولة وبالعملية الديمقراطية نفسها. ومع استمرار الفساد وضعف الرقابة، قد تصل المجتمعات إلى مرحلة تنعدم فيها الثقة بشكل شبه كامل، الأمر الذي يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي ويضعف إيمان الناس بإمكانية الإصلاح.

 

وفي العراق خصوصاً، أصبحت قضية المحاصصة لاجل الاستثمار وتقاسم الوزارات محل انتقاد واسع من عموم المجتمع اضافة الى النخب الأكاديمية والدينية والاجتماعية، لأنها ساهمت في إضعاف مفهوم الدولة وتحويل بعض المؤسسات إلى ساحات صراع سياسي بدلاً من كونها مؤسسات لخدمة المواطن. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على مستوى الخدمات الأساسية .

ومن هنا تبرز أهمية الدور الرقابي الحقيقي الذي يجب أن يمارسه الشعب والإعلام الحر ومنظمات المجتمع المدني والبرلمانيون المخلصون الذين يمثلون المواطنين بصدق. فالرقابة الشعبية والإعلامية تمثل أحد أهم الضمانات لمنع استغلال الوزارات وتحويلها إلى أدوات للفساد أو الهيمنة السياسية. كما أن تفعيل مؤسسات النزاهة والقضاء ومحاسبة المقصرين يعد ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها لبناء دولة تحترم مواطنيها.

وفي هذا السياق، نستذكر تحذير المرجعية الدينية العليا عام 2019 من توافق القوى السياسية على جعل الوطن مغانم يتقاسموها فيما بينهم، فضلاً عن تغاضي البعض على فساد البعض الآخر ، وهو تحذير يعكس خطورة تحويل الدولة إلى ساحة لتبادل المصالح بدلاً من كونها مشروعاً وطنياً جامعاً.

إن الوزارة في أي نظام سياسي يجب أن تكون وسيلة لخدمة الناس وتحقيق العدالة والتنمية، لا غاية للوصول إلى المال والنفوذ. فالدول لا تُبنى بتقاسم المناصب، وإنما تُبنى بالكفاءة والنزاهة والإخلاص للمواطن. وعندما يصبح معيار اختيار المسؤول هو القدرة على خدمة الشعب لا حجم المكاسب التي يحققها للحزب أو الجهة التي ينتمي إليها، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة حقيقية ومشروع ديمقراطي ناجح.

الوزارة.jpg