بين الواقع والتجميل الإعلامي: لماذا يصرّ البعض على تلميع الفاشلين؟

من أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتحول الأخطاء الواضحة إلى إنجازات وهمية، وأن يصبح الفشل مادة للتبرير والتجميل بدل أن يكون سبباً للمحاسبة والإصلاح.
وفي العراق، وعلى الرغم من معاناة الناس من سوء الخدمات، والبطالة، وضعف البنية التحتية، وتكرار الأزمات، ما زال هناك من يحاول تلميع بعض النواب والمسؤولين، وتصويرهم وكأنهم أصحاب إنجازات عظيمة، وذوي نفع ويرتجى منهم الخير والعطاء، مع أن الواقع يصرخ بخلاف ذلك.

إنّ المشكلة ليست فقط في تقصير بعض السياسيين، بل في الثقافة التي تحيط بهم، حيث، يصبح المدح والتبرير نوعاً من الولاء أو المنفعة او الانحياز.
فبعض الناس يدافع عن النائب لأنه من حزبه أو عشيرته أو طائفته، لا لأنه خدم الناس حقاً.
وآخرون يجملون صورته طمعا بمصلحة أو منصب أو منفعة مؤقتة، واهمون جدا طبعا حيث لا يعيشون الواقع ولا بصيرة لهم لم يستفيدوا من العبر وكثرتها.
وهناك من اعتاد على الواقع السيئ حتى أصبح يرى أبسط الأمور إنجازا خارقا، لأن سقف التوقعات انهار عنده مع الزمن.

لكن الحقيقة تبقى واضحة:
النائب والمسؤول وُجد لخدمة الشعب، لا ليُصفَّق له مهما أخطأ.
والمناصب ليست قداسة، بل مسؤولية وأمانة ومحاسبة.
وقد حذر القرآن الكريم من قلب الحقائق وتزيين الباطل، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
«سورة البقرة: 42»
فالتجميل الزائف لا يبني وطناً، بل يؤخر الإصلاح، لأن المسؤول حين يرى من يبرر له كل تقصير، فلن يشعر بضرورة التغيير أو تحمل المسؤولية.
إنّ الأمم الحية لا تتقدم بالمجاملات، بل بالنقد الواعي، والرقابة الشعبية، وكشف الخلل، ومطالبة المقصر بالإصلاح أو الرحيل. أما صناعة الأصنام السياسية وتقديس الأشخاص، فهي من أسباب انهيار الثقة بين الشعب والدولة.
ولا يعني هذا إنكار أي عمل إيجابي إن وُجد، فالعدل يقتضي الإنصاف، لكن الإنصاف شيء، والتطبيل الأعمى شيء آخر. فالشعوب التي تريد النهوض يجب أن تفرق بين المسؤول الذي يخدم الناس فعلاً، وبين من يكتفي بالشعارات والصور والخطابات.
وفي النهاية، فإنّ أخطر ما يهدد الأوطان ليس فقط فساد الفاسدين، بل صمت الناس عنهم، أو تزيين أخطائهم، لأن الباطل يكبر حين يجد من يبرره، بينما الإصلاح يبدأ عندما يملك الناس شجاعة قول الحقيقة.

فاشل.jpg