ترامب نيرون العصر 

 عندما يتمادى رئيس دولة مستكبرة - يتوهم سياسيوها أنهم قادة هذا العالم ومتحكمون فيه بأهوائهم ونزواتهم- في اطلاق تهديداته المتكررة  على إيران، منذ أن تولى رئاسة بلاده، بعدما خرج سنة 2015 من اتفاق مبرم بشأن برنامهجها النووي السلمي، وهو مدرك تماما بأنه برنامج سلمي، لكنه أذعن لدعايات و أكاذيب اسرائيل، بعدما أوهمه رئيس حكومتها، أنها تخفي وراءه برنامجا نوويا عسكريا، اتخذ من خلاله قرار مهاجمتها، والإعتداء عليها في مناسبتين، وفي اعتقاده أنه مع الكيان الصهيوني ومن اشترك معهما في العدوانين الماضيين، سيتمكنون جميعا من تغيير نظام حكمها المعادي للصهيونية والإستكبار، وهو النظام الوحيد الذي بعثر مخططاتهم التطبيعية، في فرض كيان اسرائيل على المنطقة، بتأسيس مقاومة مسلحة قوية سهر على رعايتها اربعة عقود، أثبتت جدوى مشروعها، وبرهن على  أنه السبيل الوحيد الذي بامكانه تخليص المنطقة من شر كيان صهيوني عنصري لا يقيم وزنا لأي قيمة انسانية، تطور قدارت  حركات المقاومة في مواجهة الكيان المحتل، والحاق أولى الهزائم به، يمثل نقلة جهادية نوعية، أسقطت نظرية الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وفتحت الباب على مصراعيه للخلاص من حقبة استعمارية تعتبر الأسوأ في تاريخ المنطقة. 
 الرئيس الأمريكي بعقله المريض يرى نفسه  أنه سيد العالم، وتخضع له دوله ودويلاته وشعوبه، بغربه وشرقه وجنوبه وشماله، وعقلاءه على مرأى ومسمع من تشدقاته التي يطلقها كل مرة،  تضمنت تهديدا جديا للأمن والسلم العالمي، ويدرك الواعون من شعوبنا جيدا، أن استمرار هذا المغرور في حكم أمريكا، سيؤدي بها وبالعالم إلى نتائج كارثية، يصعب على أغلب الدول تحملها، فأمريكا التي يراها في نظره القاصر، أقوى قوة على وجه الأرض، ليس بمقدور دول مجتمعة أن تقف وتصمد في وجهها، يستعملها اليوم أداة قمع وابتزاز، كما كان شأنه بما حصل في فنزويلا، وقد غنم منها بترول الشعب الفنزويلي، يتحكم فيه تصرفا مبيعا كما يشاء ويشتهي، والعالم بمشهد مما حصل هناك، من انتهاك المواثيق والقوانين الدولية، دون أن يحركوا ساكنا، واجمون كأن على رؤوس حكام دوله الطير. 
يتساءل المتابعون لحالات وأطوار ترامب العجيبة: هل إن ذلك نابع من صميم تطلعات الشعب الأمريكي وهو أمر مستبعد؟ أم هي حالة مرضية تنتاب حكام دول بعينها، عند بلوغ تطورها حافة الإنهيار والتلاشي بعد الإعتداد والهيمنة؟ من المستبعد أن يكون الشعب الأمريكي صاحب قرار العدوان على ايران، بل لعله ضحية لوبي صهيوني له تأثير بالغ على نتائج الإنتخابات الأمريكية، وصياغة سياسة هيمنة استعمارية في تأليف شرق وسط جديد تتحكم فيه إسرائيل، ويغنم منه الأمريكيون عوائد النفط والغاز والحج .  
لقد كنت كتبت فيما مضى، عن أغرب وأعجب حاكم دولة في العالم، تتبجح بالتقدم وتقدم إدارتها نفسها على أنها زعيمة العالم، وراعية شؤونه بما تراه يتماشى مع مصالحها وحدها، دون مراعاة لابسط حقوق الدول الأخرى، وشبهت حينها ترامب بنيرون، ومدى استهتاره ببلاده، ما دفع به إلى إحراق عاصمته روما، ووقوفه أثناء ذلك  مراقبا ما يحدث، من على شرفة قصره، معبرا عن سروره وابتهاجه من الجنون الذي وصل إليه، وهو يرى النيران  تأكل حضارة امبراطورية رومانية طالما اعتدت وظلمت شعوبا كثيرة. 
نيرون الذي كان سببا في ضياع امبراطورية، ولا أعتقد أن ترامب الذي جهل تاريخ إيران الممتد آلاف السنين، سيكون سببا رئيسيا في انحدارها وزوالها بعد ذلك، ذلك نيرون عصره من المستكبرين، ويبدو أن نيرون زماننا قد وضع بلاده في موقف حرج لا يحسد عليه، ليس من السهل تجاوزه، من دون مقامرة، وهو صاحب نوادي مقامرة عالمية، وقد فشل في مقامرتين اعتدى فيهما على ايران، بمشاركة حلفائه الصهاينة والمتصهينين العرب، ويستعد لمقامرة ثالثة، لوح فيها بتهديد طالما أطلقه من قبل ترهيبا، قد يدفعه حمقه هذه المرة إلى اللجوء إليه، لعله ينجح في فرض شروطه على إيران، وتحويل صمودها وانتصارها الى هزيمة.
الرئيس الأمريكي أصبح  بعد زيارته الأخيرة للصين أكثر فشلا من ذي قبل، فما كان يأمله من تلك الزيارة، سقط منذ لحظات نزوله أرض مطار العاصمة بيكين، حيث لم يجد الرئيس الصيني شي في استقباله، وهو موقف صيني ذكي، عبر من خلاله الصينيون، أنهم لن يكونوا في صف واحد مع الأمريكيين، مهما كانت الاغراءات التي جاؤوا بها إليهم، ولو كان تسليم تايوان خالصة لهم، لتحفيز حكومتهم  على اتخاذ موقف قريب من الموقف الأمريكي بشأن إيران، وقد أثبت الصينيون مبدئيتهم الثابتة التي يصعب تغييرها. 
المعركة قادمة لا محالة، والمناورة الامريكية بما تحتمله من غدر ودهاء لن تمر من دون ثمن، والثمن هذه المرة سيكون باهظا جدا كما وعد القادة الايرانيون، وأنه سينهي الحلم الامريكي الغرربي في التحكم بالمنطقة موارد وسياسة، اعتقد انها ستكون مختلفة عن سابقاتها، فقد صرح الايرانيون أنهم على أهبة الاستعداد واليقضة، استهانة بما هدد به ترامب نيرون أمريكا، لقد عودنا الإيرانيون على مدى تاريخهم بالثبات والقوة والقدرة على تجاوز الأزمات والعوائق مهما كبرت، وعادة صناع الحضارات، استعداد وتمهيد لبناء الجديد الذي يفيد الانسانية، ويرتقي بها من عالم الوهم الذي عادة ما يسوقه أتباع الشيطان ليخوف به أولياؤه، إلى عالم القيم والمبادئ التي يريدها الله لعباده الصالحين.  

ترامب.jpg