إنَّ من المسائل المهمة التي يجب بيانها أنَّ الابتعاد عن تعاليم الثقلين (القرآن والعترة) لا يؤدي إلى الانحراف في العقيدة فحسب، يعني أنَّ هذا الانحراف لا يقف في حدود المسألة الدينية فقط، بل له جوانب تربوية وأخلاقية وإنسانية يحتاجها المسلم والمجتمع الإسلامي.
فمثلًا ونحن في رحاب الإمام محمد الباقر "عليه السلام" أحد أفراد الثقلين لنرى في إحدى إشراقاته التربوية المترجمة لتعاليم القرآن الكريم في بناء المجتمع الصالح، حيث قال تعالى في إحدى الآيات المباركة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وفي حديث للإمام "عليه السلام" في بيان ما يترتب على هذه العلاقة (الإخوة الإيمانية) وتنظيمها وأداء حقها بين الإخوة قوله: ((عظِّموا أصحابكم، ووقِّروهم، ولا يتجهَّم بعضكم بعضًا، ولا تضاروا، ولا تحاسدوا، وإياكم والبخل، وكونوا عباد الله المخلصين)) [الكافي ج٢ ص١٧٣].
فهو يشير إجمالًا إلى أمور سبعة :
١- تعظيم الصاحب، فالتعظيم هو زيادة الاعتناء في الأداء، أي أداء مع عناية، ومصاديق تعظيم الصاحب متعددة في العرف الاجتماعي، وينبغي الالتفات إليها.
٢- التوقير له، أي التبجيل والاحترام وهما من مكارم الأخلاق وفضائلها، والعلاقة القائمة على ذلك إنما علاقة محبة إيمانية صادقة.
٣- عدم التجهُّم، أي ملاقاة الصاحب بوجه عبوس كريه، بل بوجه منشرح مبسوط حيث التبسُّم في وجه الأخ حسنة وفيه ثواب فضلًا عن ذلك البناء التربوي.
٤- عدم الإضرار بالأخ من جميع النواحي سواء في عمل معيَّن يصدر منه تجاهه، أو كلمة تؤدي إلى أذاه، بل لعله أنْ يبطن في نفسه شيء، فعلى المؤمن تهذيب العلاقة الإيمانية من كُلِّ ضرر، بل حتى التفكير بذلك، وإنما البحث عن منفعته.
٥- عدم الحسد للصاحب والأخ المؤمن إذا رأى فيه ما يعدُّ كمالًا في علم، أو جاه، أو منزلة، بل السرور بذلك، وما فيه من آثار لتنزيه النفس عن رذائل الأخلاق، حيث الحسد مذموم وفيه آثار سيئة في الدنيا والآخرة.
٦- الابتعاد عن البخل، بل التحذير منه في العلاقة مع الصاحب، ومحاولة تطهير النفس من هذه الآفة، سواء كان بخلًا ماديًّا أم معنويًّا، وكم نشكو من حالة البخل المعنوي التي يكون في بعض العلاقات، وعدم الاعتراف بمقام الآخرين.
٧- الدعوة إلى العبادة الحقيقة لله تعالى القائمة على طاعته، والوصول إلى تلك المنزلة الرفيعة القائمة على الإخلاص، وما فيه من آثار عظيمة في العلاقة مع الله تعالى، ومع الناس.
إنَّ التأمل في هذه المسائل التربوية التي يدعو إليها الإمام الباقر "عليه السلام" يجعلنا أنْ نكون أمام مسؤوليات متعدد منها:
- العلم والمعرفة بتعاليم الثقلين، حيث لا توجد حركة إصلاحية غي قائمة على ذلك، وهذا لعله يترجم حقيقة كثرة الأحاديث التي تحث على العلم.
-جهاد النفس وتهذيبها من رذائل الأخلاق الظاهرة والباطنة، وتهيئته إلى مكارم الأخلاق.
-متابعة النفس ومراقبتها وعدم الغفلة عنها باتباع وساوس الشيطان الذي يزيِّن للإنسان سوء أعماله بأنها صالحة.
-عدم التواني في العمل نحو الصلاح والخير وإنْ كان في ذلك من الأذى المادي والمعنوي، ولعل المعنوي هو أشد وأعظم، ولكن لا بد من أخذ هذه التعاليم بقوة العقيدة والإيمان بالمبادىء.
-التشرُّف والفخر بأداء تلك الأعمال؛ لما فيها من حمل رسالة الله تعالى إلى عباده، ومشاركة أصحاب الأئمة "عليهم السلام" في أداء هذه الرسالة؛ لنكون دعاة صادقين إليهم.
أخيرًا ..
إنَّ حق الإخوة الإيمانية من الحقوق العظيمة التي يجب عدم الغفلة عنها، بل معاهدتها ومراعاتها، وأداؤها على أحسن الأحوال بما يليق بحقيقة الانتماء إلى الثقلين، وهذه دعوة تربوية باقرية لشيعتهم أولًا، وعلينا أنْ نخاطبهم (لبيك .. لبيك) .. والسلام
