بيانُ الحقائق من الأكاذيب في سيرة عمر بن الخطاب

 
المقدمة
تُعَدُّ سيرة عمر بن الخطاب من أكثر السير الإسلامية التي أُحيطت بالروايات المتعارضة بين المبالغة في المدح والمبالغة في الطعن. وقد تسللت إلى كتب السيرة والتاريخ أخبارٌ كثيرة، منها الصحيح ومنها الضعيف والموضوع، مما يستوجب التمييز بين الروايات وفق قواعد علم الحديث والنقد التاريخي، بعيدًا عن التعصب أو التقديس غير المنضبط.
وفي هذا المقال سنعرض عددًا من الروايات المشهورة المتعلقة بعمر بن الخطاب، مع بيان درجة صحتها، وذكر الروايات الأثبت تاريخيًا، وذلك اعتمادًا على أقوال المحدّثين والمؤرخين.
من الروايات المشهورة في قصة إسلام عمر ما رواه المصنف عن جابر بن عبد الله، وفيها أن عمر سمع النبي ﷺ يقرأ عند الكعبة، فتأثر بالقرآن وأعلن إسلامه بشجاعة، ثم قال:
«والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك».
غير أن هذه الرواية ضعيفة الإسناد؛ لأن فيها:
يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف.
عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف كذلك.
ولذلك لا يصح الاستدلال بها على أن عمر كان جريئًا في إعلان إسلامه منذ اللحظة الأولى.
أما الرواية الأصح فهي ما رواه صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر عن أبيه، وفيها أن عمر كان خائفًا بعد إسلامه من بطش قريش، حتى أمّنه العاص بن وائل السهمي، فقال له:
«لا سبيل إليه».
فاطمأن عمر بعد ذلك. وهذه الرواية تُظهر أن عمر لم يكن مختلفًا عن بقية المسلمين الذين خافوا أذى قريش في بداية الدعوة.قصة دعاء النبي أن يُعِزَّ الله الإسلام بعمر
ومن القصص المشهورة كذلك ما يُروى أن النبي ﷺ دعا فقال:
«اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب».
وقد رواه سنن الترمذي، إلا أن الحديث ضعّفه عدد من المحدّثين بسبب وجود خارجة بن عبد الله الأنصاري في سنده، وقد تكلّم فيه أحمد بن حنبل والدارقطني، ولذلك لا يصح الاعتماد على الرواية باعتبارها ثابتة بلا خلاف.
قصة هجرته
ومن أشهر الروايات المتداولة عن عمر بن الخطاب قصة هجرته المزعومة علنًا أمام قريش، وأنه وقف متحديًا لهم وقال:
«من أراد أن تثكله أمه فليلقني وراء هذا الوادي».
وقد أوردها أسد الغابة، لكنها رواية ضعيفة جدًا؛ لأن في سندها عدة مجاهيل، منهم:
عبد الله بن القاسم الأبلي.
أبوه.
عقيل بن خالد.
ولهذا حكم عدد من الباحثين بعدم صحتها، ومنهم الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة، حيث ذكر أن ما رُوي من إعلان عمر للهجرة وتهديده لقريش لا يثبت تاريخيًا.
أما الرواية الأقرب للصحة فهي ما رواه ابن إسحاق عن عمر نفسه، وفيها أنه اتفق سرًا مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص على موعد للهجرة، وقالوا إن من يتخلف منهم فقد حُبس أو مُنع. وقد صحح هذه الرواية ابن حجر العسقلاني.
وهذا يدل على أن هجرة عمر كانت سرية كغيره من المهاجرين، لا علنية كما تصوّر الروايات المتأخرة.
قصة شجاعته
تُقدَّم شخصية عمر بن الخطاب في كثير من الكتب والخطب بصورة البطل الذي لم يخف قط، ولم يتراجع في معركة، غير أن الروايات التاريخية الأصح لا تعطي هذه الصورة المطلقة.
ففي جامع البيان روى عمر بنفسه ما حدث يوم أُحد فقال:
«لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى».
وهذه الرواية تُظهر أن عمر كان من الذين تراجعوا يوم أُحد بعد اضطراب صفوف المسلمين وإشاعة مقتل النبي ﷺ. وقد ذكر القرآن أصل هذه الحادثة بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ...﴾
ومع ذلك فإن هذا التراجع لم يكن خاصًا بعمر وحده، بل شمل عددًا من الصحابة، وقد عفا الله عنهم.
كما تذكر بعض الروايات المتعلقة بغزوة خيبر أن النبي ﷺ دفع الراية إلى عمر، ثم عاد ولم يتحقق النصر، حتى إن بعض الروايات تقول إن الناس صاروا «يجبنونه ويجبنهم». وقد أورد الحاكم هذه الأخبار في المستدرك على الصحيحين .
وفي غزوة حنين، روى صحيح البخاري أن المسلمين انهزموا في بداية المعركة، وكان عمر ضمن من تراجعوا مع الناس، فقال عندما سُئل عن سبب ذلك:
«أمر الله».
كما ورد في أحداث الحديبية أن النبي ﷺ أراد إرسال عمر إلى مكة ليبلغ قريشًا، فقال:
«إني أخاف قريشًا على نفسي».
ثم اقترح إرسال عثمان بن عفان لأنه كان أعز منه في مكة.
وتكشف هذه الروايات أن الصورة المثالية التي تصوّر عمر على أنه لا يعرف الخوف مطلقًا هذه لا تمت للحقيقة بصلة، بل الأقرب إلى الحقيقة أنه كان إنسانًا طبيعيًا يخاف أحيانًا ويتراجع أحيانًا كغيره من الصحابة.
قصة: «لو كان بعدي نبي لكان عمر»
ومن الروايات المشهورة كذلك ما يُنسب إلى النبي ﷺ أنه قال:
«لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب».
وقد رواه مسند أحمد، وسنن الترمذي، والمستدرك على الصحيحين من طريق مِشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر.
إلا أن عددًا من المحدّثين تكلّموا في إسناده كالامام احمد بن حنبل، ولذلك يرى بعض الباحثين أن الحديث لا يثبت من جهة الصناعة الحديثية.
الخاتمة
إن دراسة سيرة عمر بن الخطاب تحتاج إلى قراءة نقدية متوازنة، تقوم على التحقيق العلمي للروايات، لا على التلقّي العاطفي أو الجدل المذهبي.
فكثير من القصص المشهورة عنه لا تثبت تاريخيًا، سواء تلك التي تبالغ في تمجيده أو تلك التي تبالغ في الطعن فيه. والمنهج العلمي يقتضي التعامل مع الروايات وفق قواعد علم الحديث والتاريخ، للوصول إلى صورة أقرب إلى الواقع، بعيدًا عن الأسطرة أو التشويه