تجديد النحو عند مصطفى جواد ولكن ..

 الدكتور مصطفى جواد عالم ( 1904 ـ 1969) لغوي عراقي له جهوده ونتاجاته الرائعة في خدمة اللغة العربية ، وقد اشتهر بكتابه وبرنامجه قل ولا تقل ، ويعتبر من انصار المدرسة الكوفية لانها جاءت بعد قرن من المدرسة البصرية على يد الكسائي في تغيير بعض المتبنيات اللغوية سواء كانت معنى او وزن او اعراب .
ولكن هذا التطور اللغوي الذي يامله جواد هل بالامكان ان يكمل مسيرته مع ما استجدت من ثقافات وحتى علوم اليوم ؟ لا اعتقد ذلك ، لماذا ؟
اليوم غاية من يتكلم ومن يسمع ان يفهم الكلام ولا يعنيه رفع الفاعل او نصب المفعول به ، فلو قلت مثلا ( بغداد حلوة المعشر ) وقلت ( بغداد معشرها حلو ) وسالت من لا علاقة له باللغة العربية هل هنالك فرق بين الجملتين ؟ سيقول كلا نفس المعنى كليهما ، بينما اللغوي فانه سيجب نعم ويبدا باعرابهما ليبين الخلاف .
فمن يلتفت الى اعراب الجملة بين المتحدثين ؟ لا احد ، ولكن اصحاب التخصص مثلا اساتيذ لغة او كتابة بحوث فمثل هؤلاء تجدهم يدققون بالكلمة ومعناها واعرابها ، وقد أُلفت كتب تذكر اغلاط المؤلفين والمحققين وقد اشرت لها في مقالات سابقة ، لكن اليوم لا احد يلتفت لها بل حتى اذا اطلع عليها دون ان تؤثر على المعنى فانه لا يرى انها تستحق الاشارة والتنبيه .
في كتاب ( قل ولا تقل ) كتب المدخل الاستاذ عبد المطلب صالح ، وفيه اشاد باراء د مصطفى جواد لكنه في نفس الوقت وجه انتقاداته لبعض ارائه ـ طبعا في الكتاب اخطاء طباعية كثيرة ـ ، وعند بيان سبب الانتقاد فاننا ندخل في متاهات تعليلية لا طائل منها بالنسبة لنا ، مثلا من الاولى او من الذي يسبق الاخر الفعل ام المصدر ؟ فالمدرسة البصرية ترى المصدر قبل الفعل ، بينما مصطفى جواد يرى الفعل قبل المصدر ، فلولا الفعل كتب لما عرف المصدر كتابة ،الامر الغريب الاخر عند الدكتور جواد انه يعتبر الشعر مصدر شواهد لغوية موثوق بها وهي التي تمنح الحقيقة المنطقية للقواعد المستنبطة منها وليس النقيض كما ذهبت اليه مدرسة البصرة ـ هنا المقصود ان مدرسة البصرة لا تعتمد كليا على الشعر ـ .
وقاعدة يجوز للشعراء ما لا يجوز لغيرهم يعبر عنها في سياق الحديث عن "الضرورة الشعرية" إلى علماء النحو والبلاغة، والخليل بن أحمد الفراهيدي هو من قال : "الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاؤوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم" ، فمثل هذه الحرية هل ينتج عنها تجديد ام شذوذ ؟ 
ورحم الله الشيخ محمد رضا المظفر عندما كان يناقش د مصطفى جواد بخصوص جواز دخول ( ال ) التعريف على كلمة فوضى ، فالشيخ يرفض والدكتور يجوز ، وبعدما طال النقاش سال الدكتور عن المصادر التي اعتمدها في رايه فقال للشيخ : انه اجتهادي ، فقال له الشيخ لِمَ لم تقول ذلك في بداية النقاش حتى تكفيني هذا النقاش . 
مهما كانت الاراء فان الاهتمام باللغة العربية اصبح مقتصرا على الحوزات العلمية والكليات ذات الاختصاص يعني شريعة اداب اما الهندسة والطب وعلى شاكلتها فانهم لا يعيرون أي اهتمام للغة العربية بل اطلعت على بحوث لبعض خريجي هذه الكليات والله لو اطلع عليها جواد لانتحر .

مصطفى_جواد.jpg