ما هي شخصيتي الحقيقية؟» قراءة في كتاب (العزلة والمجتمع) لنيقولاي برديائف

"الألم والمعاناة هما رفيقان ضروريان لمحاولات الشخصية لتحقيق الذات، وغالبًا ما يتخلى الناس عن المحاولة بدلًا من مواجهة المعاناة."

من يريد تحقيق فرديته الفريدة التي يرغب بها، دون أقنعة أو تمثيلات، ودون السعي وراء رضا المجتمع من جميع جوانبه، فهو مستعد لخوض رحلة طويلة في طريقه، مبتلعًا الألم والعذاب، وجرّ نفسه إلى صراع مستمر مع المجتمع الذي يعيش فيه. هذا ما شرحه لنا المؤلف نيكولاي برديائف في كتابه «العزلة والمجتمع» حول كيفية تحقيق فرديتنا رغم كل الضغوط والمعاناة، وما الذي نحتاج إليه من أجل تعظيم إمكاناتنا وميزاتنا.

«الإنجاز الفردي هو نضال بطولي، والبطولة هي أولًا وقبل كل شيء فعل فردي.»

إن مسألة الشخصية هي تحرر الإنسان من العبودية الطبيعية للمجتمع، وتحقيق الإنسان لذاته يحدث بالتزامن مع تحرره من كل عبودية، وسيطرته على كل ما يحدّ من حريته.

هنا يبدو أن نيقولاي يخبرنا أن صعوبة تشكيل الشخصية تعادل صعوبة ترميم منزل قديم؛ فليس من السهل إصلاحه وتحسينه. وتختلف الأمور من شخص إلى آخر، كما تختلف بيئة كل إنسان وظروفه وتصرفاته، لذلك يبقى هذا الأمر نسبيًا.

لكن نيقولاي يجلب لنا أحيانًا أخبارًا سارة، ويمنحنا شيئًا من الطمأنينة. فقد علّمنا أن أي تغيير يطرأ على الشخصية، سواء كان إصلاحًا أو تشويهًا، يستحق منا التأمل.

«لدينا كل الحق في أن نبتهج بكل تغيير يقوي الشخصية ويصححها ويتجاوزها، ولدينا أيضًا كل الحق في الندم على كل تغيير يشوهها أو يغيرها حتى لا نعود نعرفها بعد ذلك.»

ثم يحاول تحسين شخصية الإنسان من خلال معالجة العيوب التي تمنع استمرار الخلق والنمو.

يقول:

«إن العالم، بتركيز اهتمامه على الأشياء المادية أكثر من الأشياء الروحية، يميل إلى الاشتراك في الحط من قيمة حريته الأصيلة شيئًا فشيئًا في سبيل تحقيق شخصية متفردة.»

«الزمان لا يجلب التغير، وإنما التغير هو الذي يجلب الزمان؛ فالزمان موجود لأن هناك نشاطًا ما، وفعلًا خلاقًا، وعبورًا مستمرًا من العدم إلى الوجود.»

«طلب المعرفة لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان ملهمًا بالحب.»

وبينما يكون الإنسان تحت رحمة الحياة الاجتماعية، لا يمكنه تحقيق ذاته نتيجة الضغط الذي يفرضه العالم الطبيعي والاجتماعي على شخصيته. فلا نستطيع أن نرى أفكارنا، أو نعرف من نحن، وماذا نريد، إلا في العزلة، ولكنها العزلة المؤقتة.

ثم ينتهي نيقولاي برديائف إلى نتيجة استخلصها من تجاربه، وهي أن تحقيق شخصية الإنسان لا يتم إلا بالحب الصادق، بوصفه أعلى ذروة في الحياة، وأنه يظل الوسيلة الفعالة الوحيدة للعلو على الذات.

فالعلو، والامتلاء، والغاية من الوجود، لا تتحقق جميعها إلا في الاتصال بالله.

العزلة_المجتمع.jpg