محمّد بن علي الجواد (عليهما السلام) : عِلمُ الإمامة، وإنسانيّةُ الرسالة

يُعدّ الإمام محمّد بن علي الجواد (عليه السلام) واحدًا من أبرز أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد عُرف بسعة علمه، وسموّ أخلاقه، وعظيم مكانته حتّى أصبح رمزًا للكرم، والحكمة، والعطاء، فلقّبه الناس بـ"الجواد" لكثرة جوده، وكرمه.
وُلِد الإمام الجواد (عليه السلام) في المدينة المنوّرة سنة (195هـ)، وهو ابن الإمام علي بن موسى الرضا، وأمّه السيّدة سبيكة (عليهم السلام أجمعين) وقد نشأ في بيتٍ عُرف بالعلم، والطهارة، والعبادة، فكان منذ صغره مثالًا للذكاء، والفهم، والأخلاق الرفيعة.
ومن أبرز ما تميّز به الإمام الجواد (عليه السلام) أنّه تولّى الإمامة وهو في سنٍّ مبكّرة بعد استشهاد والده الإمام الرضا (عليه السلام)، الأمر الذي أثار تساؤلات البعض آنذاك، لكنّه أثبت بعلمه، ومناظراته، وحكمته أنّ الإمامة اصطفاءٌ إلهيّ لا يرتبط بالعمر، بل بالعلم، والهداية، والكفاءة التي يمنحها الله (تعالى) لأوليائه.
وقد ظهرت سعة علم الإمام الجواد (عليه السلام) حتّى في طفولته؛ إذ تُنقل في كتب السيرة روايةٌ مشهورة عن اختباره من قبل بعض علماء مجلس المأمون العباسي، حيث أرادوا امتحان علمه وهو صغير السن، فطرحوا عليه مسائل فقهية معقّدة في أبواب الحج، على أمل أن يعجز عن الجواب بسبب صغر سنّه، لكنّه (عليه السلام) أجاب عنها بتفصيل دقيق، وبيّن وجوه المسألة وأحكامها في أكثر من صورة، مما أدهش الحاضرين، وأثبت سعة علمه رغم حداثة سنّه، فاعترفوا بفضله، وتقدّمه العلمي.
وقد ظهر علم الإمام الجواد (عليه السلام) في مناظرته المشهورة مع القاضي يحيى بن أكثم في مجلس المأمون العبّاسي، حين طُرحت عليه مسائل فقهيّة معقّدة، فأجاب عنها بدقّةٍ، وعمقٍ أدهش الحاضرين، فأقرّ الجميع بسعة علمه رغم صغر سنّه.
كما عُرف الإمام الجواد (عليه السلام) بأخلاقه الرفيعة، وتواضعه، وكرمه، وعطفه على الفقراء، وقضاء حوائج الناس، فكان قريبًا من المجتمع، حاضرًا في همومه، وموجّهًا لأفراده نحو الخير، والإصلاح.
وعاش الإمام (عليه السلام) في مدّةٍ سياسيّة صعبة تحت رقابة الدولة العبّاسيّة التي كانت تخشى تأثير أهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع، فحاول المأمون العبّاسي التقليل من تأثيره بتزويجه ابنته "أمّ الفضل"، وإبقائه قريبًا من السلطة، إلّا أنّ الإمام بقي ثابتًا على مبادئه، ناشرًا للعلم، وموجّهًا الناس نحو الحقّ، والعدل، والأخلاق.
ومن خلال كلمات الإمام الجواد (عليه السلام) تظهر حكمته، وعمق نظرته إلى الإنسان، والإيمان، والأخلاق؛ فقد قال (عليه السلام): "المؤمنُ يحتاجُ إلى ثلاثِ خصال: توفيقٍ من الله، وواعظٍ من نفسه، وقبولٍ ممّن ينصحه"، بحار الأنوار، ج75، ص358. وفي هذا الحديث تأكيدٌ على أهميّة محاسبة النفس، والتواضع، وقبول النصيحة بوصفها طريقًا لإصلاح الإنسان، وتقويم سلوكه.
كما قال (عليه السلام): "العزُّ شرفُ المؤمن، واستغناؤه عن الناس"، بحار الأنوار، ج75، ص109. وفيه دعوةٌ إلى حفظ كرامة الإنسان، والابتعاد عن الذلّ، والتعلّق بالآخرين.
وقال (عليه السلام): "تأخيرُ التوبةِ اغترار، وطولُ التسويفِ حيرة"، تحف العقول، ص457. وهو تحذيرٌ من التهاون في إصلاح النفس، وتأجيل التوبة، لما في ذلك من ضياع العمر، واستمرار الغفلة.
كما قال (عليه السلام): "من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان الناطقُ عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطقُ عن إبليس فقد عبد إبليس"، تحف العقول، ص456. وفي هذا الحديث دعوةٌ إلى الوعي، والتفكير، وعدم اتّباع أيّ قولٍ دون تمييزٍ بين الحقّ والباطل.
ورغم قِصر عمر الإمام الجواد (عليه السلام)، إلّا أنّه ترك أثرًا كبيرًا في الفكر الإسلامي، وفي ترسيخ قيم العلم، والعدالة، والأخلاق، وأثبت أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بعمره، بل بما يتركه من أثرٍ في حياة الناس.
وقد استُشهد الإمام الجواد (عليه السلام) سنة (220هـ) في بغداد، ويُروى أنّه استُشهد مسمومًا، ودُفن إلى جانب جدّه الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام أجمعين) في الكاظميّة، ولا يزال مرقده الشريف مقصدًا للمؤمنين، وملاذًا للمهمومين، وقبلةً لطالبي الحوائج من مختلف بقاع العالم.
فالسلامُ على شابِّ الأئمّة، الإمامِ محمّدٍ الجوادِ (عليه السلام)، التقيِّ الزكيِّ، القانعِ الرضيِّ، النجيبِ المنتجبِ، وبابِ المرادِ، يومَ وُلِدَ طاهرًا، ويومَ استُشهدَ مظلومًا، ويومَ يُبعثُ حيًّا، ونسألُ الله (تعالى) أن يجعلنا من المتمسّكين بولايته، السائرين على نهجه.

الامام_الجواد.jpg