من حسن حظ العراقيين أن الفساد في بلادهم يتمتع بأخلاق عالية وحس وطني رفيع ، فهو لا يترك حكومة جديدة تتشكل إلا ويخرج بنفسه إلى وسائل الإعلام ليعلن بدء معركة القضاء عليه ، وكأنه موظف العلاقات العامة المكلف بإطلاق الحملات الدعائية الرسمية .
عندما تشكلت الحكومة السابقة كان أول مشهد كبير استقبل العراقيين هو قضية سرقة القرن وما رافقها من أبطال ونجوم ومؤتمرات وتصريحات ووعود نارية ، حتى خيل للبعض أن أبواب الفساد قد أغلقت وأن اللصوص يحزمون حقائبهم استعدادا للهجرة الجماعية إلى كوكب آخر لا توجد فيه هيئات نزاهة ولا لجان تحقيق .
لكن السنوات مرت وبقي نور القضية مشتعلا ، لا ليكشف طرق العدالة بل ليضيء دروب الفاسدين ويمنحهم إرشادات ملاحية دقيقة حول كيفية المرور الآمن بين الحواجز ونقاط التفتيش القانونية ، فالقضية التي ولدت كعنوان لمحاربة الفساد تحولت مع الزمن إلى فصل جديد من فصول التعايش السلمي بين الفساد وخطابات مكافحته .
واليوم يبدو أن التاريخ العراقي قد قرر إعادة بث الحلقة نفسها بعد أن مل من إنتاج مواسم جديدة ، فها نحن أمام قضية جديدة تتصدر الشاشات وتتحدث عن فاسد يقدم رشوة كبيرة إلى رئيس الحكومة الجديد ، وسرعان ما انتشر الخبر بسرعة البرق حتى ظن البعض أن أجهزة الدولة كلها تحولت إلى وكالة أنباء متخصصة بمكافحة الفساد .
ومن الناحية الإعلامية لا يمكن إنكار النجاح ، فالصورة جميلة والعنوان جذاب والكاميرات حاضرة والتصريحات قوية والرسالة واضحة ، الحكومة تحارب الفساد بكل قوة وحزم .
أما من الناحية الواقعية فالمواطن العراقي المسكين أصبح خبيرا محترفا في قراءة ما بين السطور ، فهو يعرف أن الفساد في العراق ليس لصا يتسلل ليلا من نافذة دائرة حكومية ثم يهرب عند الفجر ، بل منظومة متشابكة لها مفاتيح وأبواب ومكاتب ومقاعد وثيرة وأحيانا بطاقات تعريف رسمية .
المشكلة أن الخطاب الرسمي ما زال يتعامل مع الفساد وكأنه جرذ ضل طريقه إلى مخزن الحبوب ، بينما يدرك الجميع أن الجرذ لو كان وحيدا لما اختفت الحبوب كلها .
ولذلك أصبح العراقي يتابع هذه القضايا كما يتابع المسلسلات الرمضانية ، فهو يعرف الشخصيات ويحفظ الحوارات ويتوقع نهاية الحلقة قبل عرضها ، ومع ذلك يجلس أمام الشاشة على أمل أن يفاجئه الكاتب هذه المرة بنهاية مختلفة .
لكن النهاية غالبا ما تكون مألوفة جدا ، ضجيج كبير في البداية ثم ضباب كثيف ثم صمت طويل ، وبعدها تظهر قضية أكبر لتعلن هي الأخرى بدء الحرب المقدسة على الفساد .
وفي العراق لا يموت الفساد ولا يختفي ، بل يغير ملابسه فقط ويخرج في كل مرة ليقود بنفسه حملة القضاء على نفسه .
أما المواطن فيبقى متفرجا يدفع ثمن التذاكر من جيبه وثمن الديكور من مستقبله وثمن العرض كله من عمر وطنه .
ولست أشك أن الفساد سيهزم الفساد مرة أخرى وسيعلن انتصاره على نفسه في مؤتمر صحفي حاشد .
أما العراق فما زال ينتظر منذ سنوات أن تبدأ المعركة الحقيقية خارج عدسات الكاميرات .
