من الأصول التربوية العميقة التي يرسّخها القرآن الكريم في وعي المؤمن: أنّ الله تعالى لا يُسوّي بين أهل الإيمان وأهل الانحراف، وإن بدت الأحوال في ظاهرها متشابهة، إذ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21).
وهذه الآية المباركة تُصحّح وهمًا شائعًا ينشأ من النظر السطحي إلى النتائج؛ إذ يُخيّل للناظر أنّ التماثل في بعض مظاهر الحياة يعني التساوي في الحقيقة، في حين أنّ الفارق الجوهري لا يُدرك إلا ببصيرة الإيمان.
وهنا ينفي القرآن الكريم التساوي في (المحيا) و(الممات)، وهو نفيٌ يشمل عمق التجربة الإنسانية كلّها؛ فليست الحياة مجرد مظاهر، بل هي معنى وغاية واتجاه. فالمؤمن يعيش في معية الله تعالى، تحفّه الرحمةُ والتوفيقُ، ويستمد من إيمانه سكينةً تعلو على تقلبات الظروف، حتى لو ضاقت به الدنيا. أما المنحرف، فمهما اتسعت له أسباب العيش، يبقى في قطيعة عن الله سبحانه، تتخلل حياته ظلمة القلق وفراغ المعنى.
وفي الموت يتجلّى هذا الفارق بوضوح أكبر؛ فالمؤمن يستقبل الموت برضًا إذا كان في طاعة الله؛ لأنّه يراه انتقالًا إلى وعدٍ يرجوه، في حين أنّ الآخر يواجهه باضطرابٍ وخوف. ومن هنا، نفهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَـمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَـمُونَ كَمَا تَأْلَـمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104)، فالألم قد يتشابه، لكن الرجاء يختلف، والقلوب ليست سواء.
إن استحضار هذا المعنى يربّي في النفس توازنًا عميقًا؛ فلا يغترّ المؤمن بما يراه من ظاهر حال الظالمين، ولا يثقل عليه ما يلاقيه من ابتلاء، لأنّه يدرك أنّ حياته موصولة بالله سبحانه، وأنّ وعده حق، وأنّ الفارق الحقيقي يتجاوز الصورة إلى الحقيقة.
