لم تمضِ ساعات على إعلان الاتحاد العراقي لكرة القدم القائمة الرسمية المؤلفة من 26 لاعباً لتمثيل المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم، حتى اجتاحت موجة من الصدمة والذهول الجمهور الرياضي العراقي،
و لم تات ردود الافعال هذه من غياب أسماء تستحق التواجد فحسب، بل في غياب المنطق والمائز في اختيار التشكيل.
"بيتر جورجيس" الجناح الأيمن الذي صقل موهبته في رحاب الدوري الإنجليزي، يحمل في سجله من الأهداف ما يفوق مجموع ما سجّله لاعبو خط الهجوم جميعاً في القائمة المُعلنة... رقم لا يحتاج إلى تفسير، لكنه لم يجد من يقرأه... وفي المقابل، يجد لاعب، أخفق مع ناديَين خليجيَّين وأسهم في هبوطهما إلى درجات أدنى، مقعده راسخاً في التشكيلة الأساسية للمنتخب رغم إطلاقه تصريحات سلبية بحق زملاءه المحترفين فضلاً عن اتهامه رئيس الاتحاد السابق بالتدخل في عمل المدرب. تصريحات تستوجب محاسبة، بينما أصرّ القائمون على معاقبة "منتظر الماجد" وإقصائه لأسباب واهية، بعد تجاهلهه في مباريات عدة، رغم البون الشاسع بين الاثنين على أرض الملعب أداءً وتأثيراً. وهي مفاضلة وجدت صدى سيئا لدى الجمهور العراقي الذي اطلق مناشدات على منصات التواصل الاجتماعي تجاوزت حاجز ال 12 مليون مشاركة تنادي بصوت واحد بعودة الماجد إلى المنتخب، لكنها وُوجهت بصمت مطبق.
"لجنة المغتربين: جهد ضائع"
الجرح يتعمق حين نستحضر ما بذلته لجنة المغتربين من جهود جبارة في ظروف بالغة الصعوبة؛ إذ أنجزت إجراءات انتقال "داريو نامو" من الاتحاد الفنلندي، و"يوسف نصراوي" من الاتحاد الألماني، و"احمد قاسم" ومن قبله "منتظر الماجد" من الاتحاد السويدي، وكل ذلك تحت ضغط الوقت وتعقيدات البيروقراطية، سعيا لتعزيز كتيبة الأسود في ملاعب المونديال.
فماذا كانت النتيجة؟ أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم أُقصوا من القائمة النهائية، كأن جهود اللجنة لم تكن سوى رماد ذُرّ في مهب الريح.
وباتت عائلات عدد من اللاعبين المغتربين تعيش حالة من الحسرة والمرارة، متسائلةً عن المعيار الذي يُحكَم به على لاعب يستحق ارتداء القميص الوطني في أرفع بطولة كروية على وجه الأرض.
داريو نامو، الظهير الأيمن الذي يخوض مغامرته الاحترافية مع نادي دندي يونايتد الإنجليزي، ومنتظر الماجد، المراوغ الشاب الذي يسطع نجمه في الدوري السويدي، والنصراوي الذي ابهر المدرب نفسه، وبيتر الذي صال وجال في ملاعب انجلترا والسويد والعراق ويعد افضل جناح عراقي مع منتظر الماجد وُضعوا في لائحة المبعدين رغم أن أداءهما الميداني يفرض نفسه بوضوح.
أما يوسف نصراوي"19 ربيعا" الذي تشكّل وتربّى في أكاديمية بايرن ميونيخ العريقة، فقد كانت مباراة أندورا شاهدةً على موهبته حين أوجز في عشرين دقيقة ما يعجز عنه كثيرون في تسعين. ومع ذلك، آثر القائمون تجاهله.
ولا يُغفل المتابعون اسمَي "دانيللو السعيد" الجناح الأيسر المبعد قسرا، و"كميل سعدي" حارس المرمى الذي يرى كثير من المختصين أنه افضل من الحراس المستدعين الثلاثة الذين وصلت اعمار بعضهم الى منتصف العقد الثالث..
"لمصلحة من؟"
هذا هو السؤال الذي يدور في خلد كل متابع ومشجع للمنتخب: لمصلحة من أن يُبعد اللاعب الأجهز والأكفأ والمتأسس بصورة صحيحة عبر مراحل سنية- احترافية متدرجة في أوروبا، ويُستبقى في مكانه من هو أدنى مستوىً وأكبر سناً؟ وما انعكاس ذلك على لاعبين آخرين في اوربا، وعلى عوائلهم، اضافة الى انديتهم التي لاتبرر هذا الاستبعاد الا بالمنظور الفني.
"المنتخب أمانة لا غنيمة"
كأس العالم ليس مجرد بطولة، إنه حلم أمة بأسرها، وفرصة لا تتكرر إلا كل أربع سنوات. وأي إخفاق يمنى به المنتخب على أرض الملاعب لن يكون مجرد نتيجة تُنسى، بل سيبقى محفوراً في سجلات البطولة، مصحوباً بمرارة وغصة في قلوب جمهور أحب وطالب وصرخ، فلم يُسمع.
حين تتجاوز مطالبات الجمهور اثني عشر مليون مشاركة ولا تُحرّك ساكناً، فذلك لا يعني أن الجمهور مخطئ لان لسان حاله يقول؛ انه منتخب الوطن وليس ملكية تتحكم بها الاصطفافات والأهواء والمزاجيات، لتحرم الوطن من كفاءاته، والعبرة في النتائج.
مهدي