الفساد الإداري يرهق العراقيين.. معاملات متعثرة ورسائل مبطنة للرشوة

يواجه المواطن العراقي في ظل الفساد الإداري في العراق واقعاً يومياً معقداً يجمع بين الروتين الثقيل والابتزاز غير المباشر داخل الدوائر الرسمية.

في ممرات إحدى الدوائر الإدارية المزدحمة، يقف أبو علي، 55 سنة، ممسكا بملف ورقي تآكلت أطرافه من كثرة التنقل بين الغرف. يقول : “أكثر من ثلاثة أشهر وأنا أركض وراء هذه المعاملة، من الصباح الباكر وحتى نهاية الدوام. كلما دخلت على موظف يقول لي: المعاملة ناقصة توقيع، أو المدير في اجتماع، أو السيستم عاطل أو متوقف جزئيا، أو تحتاج ورقة من دائرة أخرى”.

ويضيف: “الأسبوع الماضي قال لي أحدهم علنا وبصيغة غير مباشرة: إذا تريد تمشي أمورك بسرعة رتب وضعك، والجميع يفهم ماذا تعني هذه العبارة في دوائرنا اليوم”.

ويرى أبو علي أن “المعاملة بسيطة ولا تستوجب كل هذا التعقيد، لكن العرقلة تبدو متعمدة لغرض الابتزاز”، مضيفا أن “الموظف النزيه بات نادرا، والروتين التقليدي والأوراق المكدسة هما البيئة المثالية لمن يريد المساومة”.

ويذكر المحلل السياسي عصام الفيلي أن الحديث عن امتلاك القوى السياسية إرادة حقيقية لرفع يدها عن منظومة المحاصصة والتخادم يبدو بعيدا عن الواقع، معتبرا أن معظم هذه القوى انشغلت منذ سنوات بتعزيز حضورها في السلطة أكثر من اهتمامها ببناء الدولة ومؤسساتها.

وقال الفيلي، إن الصراعات السياسية في العراق بدأت منذ الجدل حول القوانين الانتخابية التي أسهمت، حسب رأيه، في إعادة إنتاج العديد من الوجوه السياسية ذاتها، من دون إحداث تغيير جذري يقود إلى ترسيخ دولة المؤسسات.

وأضاف أن جزءا كبيرا من الطبقة السياسية ما زال ينظر إلى السلطة باعتبارها الهدف الأسمى، الأمر الذي انعكس على طبيعة التشريعات والسياسات الهادفة إلى تعزيز بقائها في مواقع النفوذ والقرار.

ثم أشار إلى أن “ضعف المحاسبة، رغم الجهود التي تبذلها السلطة القضائية وهيئة النزاهة، ما زال يمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه الدولة”، لافتا إلى وجود شبكات وصفها بـ”المافياوية” متغلغلة في مفاصل الدولة، وأن الإثراء على حساب المال العام أصبح هدفا لدى بعض الجهات والأشخاص.

وبين الفيلي أن نظام المحاصصة لم يعد مقتصرا على المناصب العليا أو الإدارات العامة، بل امتد إلى مستويات إدارية تشمل مدراء الأقسام والشعب في العديد من المؤسسات، ما أدى إلى الإقصاء والاستبدال المستمر للعاملين تبعا لتغير الجهات السياسية المسيطرة على الوزارات والمؤسسات.

ورأى أن العراق يواجه أزمة حقيقية تتطلب حلولا جذرية، في مقدمتها تفعيل الحوكمة الإلكترونية، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة من ناحية الإيرادات والإنفاق، واعتماد الأنظمة المصرفية الحديثة، والتوسع في التحويلات الإلكترونية، والاستفادة من الخبرات الدولية المتخصصة في مكافحة الفساد.

من جانبه، قال الخبير القانوني علي التميمي إن المواد 307 و308 من قانون العقوبات عاقبت كل من قبل أو طلب منحة أو ميزة أو عطية أو وعدا أو منفعة بالسجن لمدة لا تزيد على عشر سنوات، كما يعاقب بالسجن لمدة سبع سنوات إذا كان الحصول على المكافأة بقصد الإخلال بواجبات الوظيفة، مشيرا إلى أن الراشي والوسيط يعاقبان بالعقوبة ذاتها المقررة للمرتشي.

وأضاف أن المادة 313 من قانون العقوبات عاقبت على الشروع في جريمة الرشوة بالحبس أو الغرامة، واعتبرت الشروع جريمة تامة، مبينا أن القصد الجرمي يتمثل في أن ما سيحصل عليه الموظف يكون مقابل عمل.

وأوضح التميمي أن المادة 309 عاقبت الموظف الذي يأخذ الرشوة حتى وإن لم يقم بأي عمل مقابلها، إذ يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 307، وتعد الجريمة تامة لأن الأصل هو الحفاظ على ذمة الموظف العام من كل شائبة.

WhatsApp-Image-2024-05-17-at-3.25.42-PM.jpeg