قرينك.. إما طريقك إلى القمة أو إلى السقوط

في رحلة الإنسان نحو النَّجاح والسَّعادة، قد يُظَنُّ أنَّ سرَّ التَّقدُّم يكمن في قوَّة الإرادة فقط؛ لكنَّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالإمام عليٌّ (عليه السلام) يفتح لنا بابًا من أبواب البصيرة حين يقول: «آفَةُ الخَيْرِ قَرِينُ السَّوْءِ» (غرر الحكم ودرر الكلم: ص280). وهذه الكلمة هي قانون خفيٌّ يحكم مصير الكثير من الطَّاقات الطَّيِّبة التي ضاعت في منتصف الطَّريق.
وتوضيح ذلك: أنَّ الإنسان كائنٌ متأثِّر بطبعه، يتشكَّل وعيه وسلوكه عن طريق مَن يجاوره ويصاحبه، فنحن نعيش في بيئة قد تتسرَّب إلى أعماقنا من دون أن نشعر، فتغيِّر ذائقتنا، وتعيد تشكيل أولويَّاتنا، وقد تسرق منَّا جمال البدايات؛ لذلك كان قرين السُّوء آفة الخير؛ لأنَّه يتسلَّل إلى الخير بهدوء، ويُضعف مقاومته شيئًا فشيئًا.
وما يجعل الخطر أعظم؛ أنَّ النَّفس تميل بطبيعتها إلى ما يوافق هواها، وتنجذب إلى ما يزيِّن لها الرَّاحة السَّريعة واللذَّة العاجلة. فإذا اجتمع هذا الميل مع تأثير خارجيٍّ فاسد، أصبح الانحراف أسرع من أن يُدرك، وأقرب من أن يُقاوَم. وهنا قد يتحوَّل الإنسان من صاحب رسالة إلى تابع، ومن طالب كمال إلى أسير شهوة أو عادة.
فكم من إنسانٍ بدأ طريقه يحمل أهدافًا سامية؛ لكنَّه حين استهان بصحبة مَن حوله، بدأ يتنازل تدريجيًّا، حتَّى وجد نفسه في مكانٍ لم يكن يتخيَّله يومًا. لم يكن السقوط فجائيًا؛ وإنَّما كان نتيجة تراكمات صغيرة، بدأت بابتسامة مجاملة، أو مشاركة عابرة، أو صمتٍ عن خطأ.
إنَّ مفتاح النَّجاح والسَّعادة هنا ليس فقط في اختيار الطَّريق الصحيح؛ وإنَّما في اختيار الرَّفيق الذي يسير معك فيه، فالرَّفيق إمَّا أن يكون جناحًا ترتفع به، أو ثِقلًا يُبطئك، أو هاويةً تسقط فيها. ومَن أراد أن يحافظ على خيره، فليحط نفسه بمَن يذكِّره بالله (سبحانه)، ويشدُّه إلى القيم، ويوقظ فيه ضميره إذا غفل.
فاسأل نفسك: مَن هم الذين يحيطون بك؟
هل يقودونك نحو النُّور، أم يزيِّنون لك العتمة؟
لأنَّ الجواب عن هذا السُّؤال قد يكون هو الفارق الحقيقي بين نجاحٍ يُثمر سعادة، وخيرٍ تلتهمه آفةُ الصحبة.

قرين.jpg