الشعر في أرقى تجلياته إلهام ورؤيا. وقد عرفت الثقافة العربية منذ العصور القديمة شعراء فطاحل يحملون عبء إيصال هذه الثقافة للأجيال
وهذا النص الذي بين أيدينا واحد من نصوص التي تقف على حد بين الاكتمال والانفتاح؛
قصيدةٌ تبدأ بالوقوف ولم تنته بالوصول، بل فتحت أبوابا واستدعت التاريخ والمكان والشخوص في نفس واحد متصاعد.
القصيدة مكتوبة من بحر البسيط وهو معروف بسعته التعبيرية وقدرته على احتمال المد الفلسفي
أما القافية "متراكبة" بحرف روي موحد الفاء المكسورة (ـفِ)
عنوان القصيدة "لحظة خشوع في مقامه البهيّ" في رحاب النجف الأشرف
وقفتُ والشمس ملقاةُ على كتفي
وبَيرقُ الشعر في عينيَّ غير خفي
وعاصفٌ يكنسُ التاريخ، فهـو دُمًــى
مستوحشاتٌ وغيلانٌ مــن الخـــزفِ
وساحـــراتٌ يغربلـــن الفـــراغَ وقــد
تناسخ الموتُ في الأشباح والنُّطَـفِ
وكان موج الرجـال الراقصيــنَ علــى
حرائق العصر ممتـدًا علــى الجُــرُفِ
وكنتُ أركض في حلمي إليكَ..وبي
إليكَ.. ما بي من شوقٍ ومن شغفِ
لعلّ بعض ارتحالي فيكَ، بعض دمي
في طينةِ الأخضرَين.. الماءِ والسَعَفِ
يسقي العظام التي جفّتْ منابعُهــا
الأولى.. وينفخُ روح الله فــي الجِيَـفِ
وقفتُ يا سيــدي يا قـــوسَ دائــــرةٍ
من النبـــوات.. منـــذ البــدءِ لم تقفِ
أصغي وأوغل في الأشيـاء منسكبـًا
وسائلًا في عنـاق الصخــر والصـدفِ
وقـــد أراك.. وأدري أنّ قـــدركَ فــــي
معارجِ السرِّ، سرّ بالجــــلال حفــي
وقــــد تباغتنـــي رؤيـــاك معتكفًـــــا
على بقايــــا ســراجٍ فـــيّ معتكـفِ
فأستبيـــح لنفســي أن أقــول لهــا
في خافتٍ من جريح الصوت مرتجفِ
فيــم اضرابــكِ أو شكــواكِ؟ مطــرقة
همًّا، وخائفـــة يا نفـــس.. لا تخفـي
هـــذا عـــراقُ أميـــرِ المؤمنيـنَ وهــ
ـذي الأرض أرضُ عليّ ساكنِ النجفِ
هذا العراق، وكم من غاصــبٍ كبـرت
أحلامه، ثم لم يحصد سـوى التلـفِ
هـــذا عـــراق العراقييـــن.. عزّتهـــم
في النفس، لا في حقول النفط والتّرفِ
هذا عــراق الألـــى خطّــت أناملُهـم
شريعــة الله فــي الأحجــار والصُّحُــفِ
تكالبـــت حولهـــم دنيــا مسيّجـــــة
بالنـــار والـــــدم والصلبـــان والصلـــفِ
وقلت والغيم عبـر الغيـــم ينسجنـي
برقًا، وينفضني فـــي دمعـــيَ الـــذرفِ
كم غائبٍ حاضرٌ تحــت القبــاب هنــا
وكاشـــفٍ بـــــثّ شكـــواه ومنكشــفِ
وساجـدٍ راعــش الكفّيـن.. مجمــــرة
في مُقلتيـــه، وألـــوانٌ مـــن السّــدفِ
وغــارقٍ فـــي مقـام الوجد تحسبــه
طيفًـــا لطيــــفِ زمـــان جِــدُّ مختــلِفِ
البناء الكلي للقصيدة يسير على دوائر متداخلة: يبدأ بـ "وقفتُ"، ويعود إليها، في حركة دائرية توحي بأن الوقفة هي قلب ينبض في مكانه، وهذا ينسجم مع قوله "يا قوس دائرة من النبوات".
وقفتُ والشمسُ ملقاةٌ على كتفي
وبيرق الشعر في عينيَّ غير خفي
هنا استعارتان متجاورتان: الشمس "تلقى" كأنها عبء ثقيل وتكريم لا يحتمل، وفي "ملقاة" إيحاء بالتخلي عن الإشراق، إنما هي ملقاة على كتفه.
أما "بيرق الشعر في العينين" هي راية مرئيّة تجعل الشعر إعلانا يلوح بجلاء. الافتتاح قوي جدا وجريء.
وعاصف يكنس التاريخ، فهو دُمًى
مستوحشاتٌ وغيلانٌ من الخزفِ
من أجمل الصور في القصيدة وأكثرها أصالة، التاريخ دُمًى من خزف، لا روح فيها، والعاصف يكنسها كما تكنس الأوساخ.
الخزف يحمل دلالة مزدوجة: جمال ظاهري وهشاشة جوهرية. وفي "مستوحشات" تشخيص يمنح الدُّمى حالة نفسية تزيد الصورة عمقا.
وساحرات يغربلن الفراغ وقد
تناسخ الموتُ في الأشباح والنُّطَفِ
"يغربلن الفراغ" صورة سريالية عالية الكثافة، الفراغ لا يغربل، ولكنهن يفعلن، وهذا يصنع معنى في اللا معنى.
"تناسخ الموت" مفهوم مأخوذ من عقيدة التناسخ لكنه يوظف هنا توظيفا مغايرا: الموت هو الذي يتناسخ لا الروح، وهذا قلب ذكيّ للمفهوم المعروف.
لعلّ بعض ارتحالي فيكَ، بعض دمي
في طينةِ الأخضرَين.. الماءِ والسَعَفِ
يسقي العظام التي جفّتْ منابعُهــا
الأولى.. وينفخُ روح الله فــي الجِيَــفِ
اقتباس المعنى العميق من الآية "يُحيي العظامَ وهي رميم".
ونلاحظ أن البيتين معا يشكلان صورة واحدة متكاملة، وأن فاعل "يسقي" و"ينفخ"، هو "بعض دمي"
أي أن دم الشاعر نفسه المنثور في طينة الأرض، وهذا يحيل المعنى إلى فعل تضحية.
ودم الشاعر وارتحاله هما اللذان يسقيان العظام الجافة وينفخان فيها الروح.
كما نلاحظ انسجام القافية المكسورة مع المعنى الحزين المفتوح، ومزج الحسي بالمجرد بجرأة مثل "يغربلن الفراغ"، والحضور القرآني والصوفي والتاريخي بسلاسة ودون تكلف، بينما الجملة الاسمية تعطي إحساسا بالتأمل، ومشهد محاورة النفس "يا نفس.. لا تخفي" يمنح القصيدة نبضا إنسانيًّا.
القصيدة عمل شعري جميل يتحرك في فضاءات ثلاثة: الصوفي، والوجودي، والسياسي، وهذا التعدد يمنح القصيدة ثراء دلاليا.
والشاعر صاحب موهبة حقيقية في صياغة الصور المضيئة، "محمد مفتاح الفيتوري" ولد عام 1936 في الجنينة، بلدة تقع على الحدود الغربية للسودان، لأب ليبي وأم مصرية
ويعد من رواد الشعر الحر الحديث، درس الأدب والعلوم، وتخرج من جامعة الأزهر، في عام 1956، نشر مجموعته الشعرية الأولى بعنوان "أغاني إفريقيا"، ونشر بعدها العديد من المسرحيات والكتب والمجموعات الشعرية، آخر أعماله كان في عام 2005.
توفي عام 2015 في المغرب، والتي كان يعيش فيها مع زوجته المغربية، وذلك عن عمر ناهز 85 عاما.
