مقدمـــة
يعدُ مفاعل ديمونا، المعروف رسميا باسمِ مركزِ شمعونْ بيريزْ للأبحاثِ النوويةِ في النقب، إحدى أكثرِ المنشآتِ النوويةِ إثارة للجدلِ في الشرقِ الأوسط، يقعُ المفاعلُ في صحراءِ النقبِ بالقربِ منْ مدينةِ ديمونا، على بعدِ نحو 90 كم جنوبَ القدس. بدأَ تشييدُ المنشأةِ سرا عامَ 1958 بدعمٍ فرنسي، وأصبحَ المفاعلُ عاملاً (وصلَ إلى حالةِ التشغيلِ الحرج) بينَ عاميْ 1962 و 1964، بينما تشيرُ بعضُ المصادر، إلى أنَ التشغيلَ الفعليَ استقرَ عامَ 1963. قدمت الحكومةَ الصهيونية، المشروع في بداياتهِ بوصفهِ مفاعلاً للأبحاثِ والاستخداماتِ السلميةِ في مجالاتِ الصناعةِ والزراعةِ والطبِ والعلوم. تشيرُ تقاريرُ ودراساتٌ دولية، إلى أنَ تصميمَ المفاعلِ بالماءِ الثقيلِ واليورانيوم الطبيعيِ يسمحُ بإنتاجِ البلوتونيوم عندَ معالجةِ الوقودِ المستهلك، وهوَ ما يفسرُ الاهتمامَ الدوليَ الكبيرَ بالمنشأةِ منذُ ستينياتَ القرنَ الماضي، وقدْ ظلَ الموقعُ خارجَ نظامِ الضماناتِ الشاملِ للوكالةِ الدوليةِ للطاقةِ الذرية؛ لأنَ دويلةَ الكيانِ الصهيونيِ ليستْ طرفا في معاهدةِ عدمِ انتشارِ الأسلحةِ النووية. ورغمَ مرورِ أكثرَ منْ ستةِ عقودٍ على إنشائه، لا تزالُ تفاصيلُ كثيرةٌ حولَ نشاطِ المفاعلِ وقدراتهِ الحقيقيةِ غير معلنة رسميا، ما يجعلُ ديمونا محورا دائما للنقاشاتِ المتعلقةِ بالأمنِ الإقليميِ والانتشارِ النوويِ في الشرقِ الأوسط.
أولا. الجوانب السياسية والقانونية والأمنية:
يثارُ باستمرارٍ سؤالٌ حولَ الأسبابِ التي تجعلُ المجتمع الدولي، ولا سيما الوكالة الدولية للطاقةِ الذريةِ والأممِ المتحدة، ومجلسِ الأمن، غير قادرينَ على فرضِ رقابةٍ شاملةٍ على مفاعلِ ديمونة النوويِ الصهيوني، رغمَ ما يثيرهُ منْ مخاوفَ تتعلقُ بالسلمِ والأمنِ الدوليين.
1- من الناحيةِ القانونية، لا يعودُ ذلكَ إلى الخوفِ منْ دويلةِ الكيانِ الصهيونيِ بقدرِ ما يرتبطُ ببنيةِ النظامِ القانونيِ الدوليِ الخاصِ بمنعِ الانتشارِ النووي، فالكيانُ الصهيونيُ ليستْ طرفا في معاهدةِ عدمِ انتشارِ الأسلحةِ النوويةِ (NPR ) ، وهيَ المعاهدةُ التي تشكلُ الأساسَ القانونيَ الرئيس لالتزاماتِ التفتيشِ الشاملِ التي تمارسها الوكالةُ الدوليةُ للطاقةِ الذريةِ على المنشآتِ النوويةِ للدولِ غيرِ النووية.
2- بما أنَ دويلةَ الكيانِ الصهيوني، لمْ تنضمْ إلى هذهِ المعاهدة، فإنها ليستْ ملزمة قانونا بقبولِ نظامِ الضماناتِ الشاملةِ الذي تخضعُ لهُ الدولُ الأطراف.
3- لذلكَ لا تمتلكُ الوكالةُ الدوليةُ للطاقةِ الذريةِ صلاحيةً قانونيةً تلقائيةً لتفتيشِ جميعِ المنشآتِ النوويةِ الصهيونية، بما فيها مفاعل ديمونة، إلا إذا وافقتْ طوعا أوْ صدرَ قرارٌ ملزمٌ منْ مجلسِ الأمنِ بموجبِ الفصلِ السابعِ منْ ميثاقِ الأممِ المتحدة.
ثانيا. موقف الأمم المتحدةِ
اعتمدتْ الجمعيةُ العامةُ للأممِ المتحدةِ والوكالةِ الدوليةِ للطاقةِ الذريةِ خلالَ العقودِ الماضيةِ عدةَ قراراتٍ تدعو الكيان الصهيونيّ إلى الانضمامِ إلى معاهدةِ عدمِ الانتشارِ النووي، وإخضاعِ جميعِ منشآتها النوويةِ للضماناتِ الشاملةِ للوكالة، إلا أنَ قراراتِ الجمعيةِ العامة، ومعظمِ قراراتِ المؤتمرِ العامِ للوكالةِ ذات طبيعةِ توصوية، وغير ملزمة قانونيا.
أما مجلسُ الأمن، فإنهُ يمتلكُ منْ حيثُ المبدأُ صلاحيةَ التعاملِ معَ أيِ وضعٍ يراهُ مهددا للسلمِ والأمنِ الدوليين، غير أنَ ممارسةَ هذهِ الصلاحيةِ تخضعُ للتوازناتِ السياسيةِ الدولية، ولا سيما حقّ النقضِ (الفيتو) الذي تتمتعُ بهِ الدولُ الخمسُ دائماتٍ العضوية.
لهذا السببِ لمْ يصدرْ عنْ المجلسِ، قرارٌ ملزمٌ يفرضُ على الكيانِ الصهيونيِ الانضمامَ إلى معاهدةِ عدمِ الانتشارِ أوْ إخضاعِ مفاعلِ ديمونة لرقابةٍ دوليةٍ شاملة.
ثالثا. مواقف محكمةِ العدلِ الدوليةِ
أصدرتْ المحكمة في عامِ 1996 رأيا استشاريا مهما حولَ مشروعيةِ التهديدِ أوْ استخدام الأسلحةِ النووية، أكدتْ فيهِ أنَ قواعدَ القانونِ الدوليِ الإنسانيِ تنطبقُ على الأسلحةِ النووية، وأنَ هناكَ التزاما قانونيا على الدولِ بالتفاوضِ بحسنِ نيةٍ منْ أجلِ نزعِ السلاحِ النووي.
إنَ هذا الرأيَ الإستشاري، لمْ يتناولْ الكيانَ الصهيونيَ بصورةٍ خاصة، ولمْ يفرضْ عليها التزامات إضافية تتجاوزُ ما يقررهُ القانون الدوليّ العام، وعليه، فإنَ السببَ الحقيقيَ لغيابِ الرقابةِ الدوليةِ الشاملةِ على مفاعلِ ديمونة ليسَ وجود حظرا قانونيا على مناقشته، بلْ يعودُ إلى آملينِ رئيسيين:
1- عدمُ انضمامِ الكيان الصهيوني إلى معاهدةِ عدمِ انتشارِ الأسلحةِ النووية.
2 - غيابُ توافقٍ سياسيٍ داخلَ مجلسِ الأمنِ لإصدارِ قراراتٍ ملزمةٍ بشأنِ البرنامجِ النوويِ الصهيوني.
لذلكَ تبقى القضيةُ في منطقةٍ تتداخلُ فيها الاعتباراتُ القانونيةُ معَ موازينِ القوى، ولمْ تصدرْ محكمة العدل الدولية ، حكما مباشرا بشأنِ مفاعلِ ديمونة أوْ البرنامجِ النوويِ الصهيوني.
الخاتمةُ
يتضحُ أنَ الوضعَ القانونيَ لمفاعلِ ديمونا النوويِ الصهيوني، يظلُ منْ أكثرِ القضايا إثارةً للجدلِ في إطارِ القانونِ الدوليِ العام، ونظامِ عدمِ الانتشارِ النووي، فعلى الرغمِ منْ المخاوفِ المتزايدةِ التي تثيرها القدراتُ النوويةُ الصهيونيةُ وانعكاساتها المحتملة على الأمنِ والاستقرارِ الإقليميين، فإنَ غيابَ أيِ قرارٍ ملزمٍ صادرٍ عنْ مجلسِ الأمنِ الدوليِ يفرضُ على الكيانِ الصهيوني، إخضاعَ منشآتها النوويةِ لرقابةِ وتفتيشِ الوكالةِ الدوليةِ للطاقةِ الذرية، إلى جانبِ الدعمِ السياسيِ والدبلوماسيِ الذي تحظى بهِ منْ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، قدْ مكنها منْ الاستمرارِ في انتهاجِ سياسةِ الغموضِ النوويِ ورفضَ فتح مفاعلِ ديمونا أمامَ التفتيشِ الدوليِ الشامل. في ظلِ هذا الواقع، يبقى المفاعلُ النوويُ الصهيوني، خارجَ منظومةِ الرقابةِ الدوليةِ الفعالة، الأمر الذي يثيرُ تساؤلاتٍ جوهريةً حولَ مبدأِ المساواةِ في تطبيقِ قواعدِ القانونِ الدوليِ المتعلقةِ بمنعِ الانتشارِ النووي. كما أنَ استمرارَ هذا الوضعِ يسهمُ في إبقاءِ مصدرٍ محتملٍ للتوتر، وعدمِ الاستقرارِ في منطقةِ الشرقِ الأوسط، وهيَ منطقةٌ تعاني أصلاً منْ أزماتٍ وصراعاتٍ متشابكةٍ تهددُ السلمَ والأمنَ الدوليين. منْ ناحيةٍ أخرى، يلاحظُ وجودُ تركيزٍ دوليٍ كبيرٍ على البرامجِ النوويةِ لبعضِ دولِ المنطقة، وفي مقدمتها إيران، ومطالبتها بالحدِ منْ أنشطتها النوويةِ أوْ إخضاعها لرقابةٍ صارمة، في حينِ لا تخضعُ القدراتُ النوويةُ الصهيونيةُ للمستوى ذاتهِ منْ المتابعةِ والمساءلةِ الدولية.
ومنْ ثم، فإنَ تحقيقَ نظامٍ دوليٍ أكثرُ عدالةٍ وفاعليةٍ في مجالِ عدمِ الانتشارِ النوويِ، يقتضي تطبيق المعاييرِ القانونيةِ بصورةٍ متوازنةٍ على جميعِ الدولِ دونَ استثناء، بما يعززُ الثقةَ الدولية، ويسهمُ في إرساءِ دعائمِ الأمنِ والاستقرارِ في الشرقِ الأوسط، والعالم.
