التاريخ لا يعيد نفسه ، ولكن الإنسان يُكرر أحداثه.
لابد أن يكون في الإمام تلك الروح التي تختلف عن أرواح البشر فهي من أمر الله تعالى والتي حملها كل نبي ووصي . الدين واحد ولذلك نرى أن كل ما حصل في الأديان السابقة جرى مثله في الإسلام. إن كان من ناحية التشريع، أو من ناحية التدخل البشري. لأن الدين واحد نزل من عند واحد.
وفي مبدأ الخلافة والامامة والولاية وجب أن يكون لدى الإمام تلك الروح التي هي من أمر الله تعالى ، ففي الكتاب المقدس تُنسب الروح إلى الله يهبها لمن يشاء من عباده كما نقرأ في وصف فرعون لنبي الله يوسف عليه السلام عندما قرر أن يجعلهُ خليفة مكانه في الأرض : (فقال فرعون لعبيده: هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله؟).(1) وهكذا في الخلافة بعد موسى ، (فقال الرب لموسى: خذ يشوع بن نون، رجلا فيه روح، وضع يدك عليه).(2) وهكذا فَهِم حتى الاباطرة الوثنيين بأن من لم يكن فيه روح الآلهة لا يصلح للقيادة كما نقرأ في قصة النبي دانيال مع نبوخذ نصر الذي استعصى عليه أمرٌ فجمع كل المرازبة والكهنة والعرافين والمنجمين في مملكته فاستعصى عليهم تفسيره. فقال له هؤلاء وبكلمة واحدة : (يوجد في مملكتك رجل فيه روح الآلهة القدوسين، فيه نور وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة، لأن فيه روحا فاضلة. وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها).(3) وكلنا يعلم مدى سعة مملكة بابل الهائلة الممتدة من شرق فارس إلى غرب سوريا وفلسطين وما جاورها. ولو رجعنا إلى تفاسير الكتاب المقدس في تفسير معنى (فيه روح) لوجدناها تصف مثل هذا الشخص فتقول: (فيه روح: أي رجل له قلب وحماسة وغيرة. اختاره الله لأنه يملك روح القيادة وحب الشعب. وأنهُ كنفس موسى . ووضع اليد او رفعها هو علامة كانت عند الشعوب تعني إقامة هذا الشخص وتنصيبه للقيادة بعده. ولذلك فعل موسى هذا بتلميذه يشوع بن نون بأمر الله كعلامة واضحة أمام الشعب بتسلم يشوع القيادة. وهو إشارة إلى الشعب بقرب انتهاء أيام موسى).(4) وهذا الوصف هو جزء مما يحمله الإمام علي عليه السلام . وأما تفسير الروح لدى المسلمين فقد اكثروا في بيانها ولكن باختصار : (كلمة روح تحمل معانٍ متعددة تشمل الحياة، الوحي، جبريل، الرحمة، والقوة، وهي من أسرار الله التي لا يعلم حقيقتها إلا هو. ويعتبر من الأسرار التي استأثر الله بعلمها). ولذلك اتوقف عند هذ التفسير لأقول أن كل ما ذكره العلماء صُبّ في نفس علي عليه السلام الذي هو اعلى واكبر من هذه الاوصاف إذا علمنا أن الحق تعالى وصفه على لسان نبيه بـ (أنفسنا) فعلي نفس محمد بإذن وعلم الله تعالى ومن يكن نفس محمد فهو محمد و لا تفصل بينهما سوى النبوة. ومن هنا فإن تنصيب الامام علي (ع) في غدير خم ورفع ذراعه امام هذا الملأ العظيم هو بأمر الله تعالى وكأني أقرا قول الله تعالى لموسى عليه السلام وهو يوحيه إلى محمد: (يا محمد خذ عليا رجل فيه روح وضع يدك عليه). وقد كانت خلافة علي بطلب من النبي شخصيا وهو نفس ما حصل على يد النبي العظيم موسى ((فكلم موسى الرب قائلا: ليوكل الرب رجلا على الجماعة، لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها). وهكذا كان (فتى موسى يوشع، وفتى محمد علي).(5) ولذلك قال رسول الله (ص) لعلي : (أنت مني بمنزلة يوشع من موسى).(6)
المصادر:
1- سفر التكوين 41 : 38.
2- سفر العدد 27 : 18.
3- سفر العدد 27 : 18.
4- تفسير الكتاب المقدس، موسوعة الكنيسة لتفسير العهد القديم التوراة. تفسير سفر العدد 27. بنات صلفحاد ويشوع خليفة موسى. وقول المفسر (بنات صلفحاد) قضية تشبه في ملابساتها قضية ما حصل في حرب الجمل بعد وفاة موسى. نقل القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه «عليهم السلام» قال: إن يوشع بن نون قام بالأمر بعد موسى «عليه السلام»، صابراً من الطواغيت على اللأواء والضراء، والجهد والبلاء. حتى مضى منهم ثلاثة طواغيت، فقوي بعدهم أمره، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب، امرأة موسى في مائة ألف رجل، فقاتلوا يوشع بن نون، فغلبهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره، وأسر صفراء بنت شعيب، وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن نلقى نبي الله موسى، فأشكو ما لقيت منك ومن قومك.
5- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص45 والبحار ج39 ص61.
6- كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي ص80.
