لو لم تكن الفتوى؟

في حياة الأمم لحظاتٌ مفصلية لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بوصفها أحداثاً عابرة، لأنها تشكّل نقاط تحول في مسار التاريخ وتترك آثارها العميقة في حاضر الشعوب ومستقبلها. ومن بين تلك اللحظات في تاريخ العراق الحديث، لحظة صدور فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف لمواجهة خطر تنظيم داعش الإرهابي الذي اجتاح مساحات واسعة من البلاد عام 2014م،
وفي النسخة الخامسة من مهرجان فتوى الدفاع الكفائي الثقافي السنوي الذي تقيمه العتبة العباسية المقدسة، طرح سماحة السيد أحمد الصافي تساؤلات عميقة تستحق الوقوف عندها والتأمل في معانيها ودلالاتها، حين تساءل: "لو لم تكن الفتوى موجودة، ماذا كان سيحصل؟". وهو سؤال يبدو بسيطاً في ألفاظه، لكنه يحمل في طياته قراءةً واسعةً لحجم الخطر الذي كان يحدق بالعراق آنذاك، وحجم التحول الذي صنعته الفتوى في مسار الأحداث.
إن هذا السؤال لا يبحث عن إجابة نظرية بقدر ما يدعو إلى استحضار الواقع الذي كان يعيشه العراق في تلك الأيام العصيبة. فقد كانت المدن تتعرض للسقوط تباعاً، وكانت حالة القلق والخوف تسيطر على الشارع العراقي، فيما كان الإرهاب يتمدد بسرعة مهدداً الأمن والسلم المجتمعي ووحدة البلاد. وفي خضم تلك الظروف جاءت فتوى الجهاد الكفائي لتعيد الثقة إلى النفوس، وتبعث روح المسؤولية والتضحية في أبناء العراق الذين هبّوا للدفاع عن أرضهم ومقدساتهم وشعبهم.
أراد السيد الصافي من خلال هذا التساؤل أن يلفت الأنظار إلى أهمية قراءة الأحداث بعيداً عن النسيان أو التسطيح، وأن يدفع الأجيال إلى التفكير في حجم المنعطف التاريخي الذي مثّلته الفتوى. فالسؤال عن غياب الفتوى هو في حقيقته سؤال عن مصير العراق كله: ماذا لو لم تتوحد الإرادات؟ ماذا لو تُرك الناس أمام حالة الارتباك والخوف؟ ماذا لو لم تتحرك الطاقات الوطنية للدفاع عن البلد في تلك اللحظة الحرجة؟
أثبتت الوقائع أن الفتوى لم تكن مجرد دعوة إلى حمل السلاح، بل كانت مشروعاً وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً لحماية المجتمع والدولة. فقد أسهمت في تعبئة الطاقات الشعبية، ومنحت زخماً معنوياً كبيراً للقوات الأمنية والعسكرية، وأسست لحالة من التلاحم الوطني أثمرت لاحقاً الانتصارات التي تحققت على الإرهاب واستعادة الأراضي التي كان يحتلها.
ومن هنا فإن أهمية الفتوى لا تكمن في نتائجها العسكرية فحسب، بل في ما جسدته من قيم المسؤولية والتضحية والوحدة. فقد أثبتت أن المرجعية الدينية لم تكن بعيدة عن هموم المجتمع ومصيره، بل كانت حاضرة في أكثر اللحظات حساسية، تستشعر الخطر وتتحمل مسؤوليتها الشرعية والوطنية في توجيه الناس نحو ما يحفظ البلاد ويصون كرامة أبنائها.
استذكار فتوى الجهاد الكفائي لا ينبغي أن يكون استذكاراً عاطفياً عابراً، وإنما قراءة واعية لدروسها ومعانيها. فالأوطان لا تُبنى بالذكريات وحدها، وإنما بفهم التجارب الكبرى واستلهام العبر منها. ولعل هذا ما أراد السيد أحمد الصافي التأكيد عليه عندما طرح تلك الأسئلة التي تتجاوز حدود الماضي لتخاطب الحاضر والمستقبل معاً.
الأمم التي تنسى محطاتها المصيرية تفقد جزءاً من ذاكرتها، أما الأمم التي تستحضر تجاربها التاريخية بعين الإنصاف والوعي فإنها تحافظ على عناصر قوتها وتماسكها. ومن هنا يبقى سؤال السيد الصافي: "لو لم تكن الفتوى موجودة، ماذا كان سيحصل؟" سؤالاً مفتوحاً على التأمل، لكنه يحمل في الوقت نفسه حقيقة واضحة مفادها أن بعض المواقف التاريخية لا تغيّر مسار معركة فحسب، بل تحفظ وطناً بأكمله من الضياع، وتصنع مستقبلاً لأجيالٍ كانت مهددة بفقدان الأمن والاستقرار والهوية.

فتوى_الدفاع_الكفائي.jpg