يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: من الصعب أن تحرر المتعصبين من الأغلال التي يقدسونها . وتزداد هذه الصعوبة وتتحول إلى استحالة شبه مطلقة عندما لا تكون الأغلال مجرد أوهام فكرية ، بل مصالح مادية متجذرة ، ومراكز قوى نفوذية ، ومكاسب شخصية تُدرّ ترفاً وجاهاً.
إن المقولة الحكيمة من يستفيد من الباطل يصعب عليه قول الحق , تختزل سيكولوجية بشرية معقدة ، وتفسر لماذا تقف نخب ومجتمعات بأكملها أحيانًا في وجه التغيير والإصلاح , فالصراع التاريخي بين الحق والباطل ليس دائمًا صراعًا معرفيًا يدور حول من يملك الحقيقة وكيف يصل إليها ، بل هو في عمقه صراع اقتصادي واجتماعي ونفسي شرس يدور حول من يملك الامتيازات ومن يستميت للحفاظ عليها .
سيكولوجية المنفعة والعمى الاختياري
عندما يمتزج الباطل بالمنفعة ، يحدث تحول خطير في وعي الإنسان وبنيته الأخلاقية ، حيث يبدأ العقل بممارسة ما يُعرف في علم النفس بـ الإنكار الذاتي أو العمى الاختياري .
ان المستفيد من منظومة فاسدة لا يعترف غالباً حتى بينه وبين نفسه بأنه يناصر الباطل أو يقتات على مظالم الآخرين ؛ بل على العكس تماماً ، يقوم عقله الباطن بابتكار ترسانة من التبريرات الأخلاقية ، والمسوغات القانونية ، والذرائع السفسطائية لشرعنة مكاسبه وإضفاء ثوب الطهارة عليها , هذا الارتباط الشرطي يحوّل الحقيقة في نظر المستفيد إلى مرادف مباشر للخراب ، والتهديد ، وزعزعة الاستقرار، بينما يصبح الباطل في وعيه هو صمام الأمان والوضع الطبيعي الذي يجب حراسته, وكما صاغها الكاتب الأمريكي أبتون سنكلير بدقة ذات يوم من الصعب أن تجعل رجلاً يفهم شيئاً ما ، عندما يكون راتبه معتمداً على ألا يفهمه . إنها عملية تزييف ممنهجة للوعي ، حيث تعمى البصيرة ببريق المنفعة ، ويصبح نطق الحق بمثابة إعلان حرب على الذات.
تغلغل الباطل في شرايين الحياة اليومية
لا تنحصر هذه الظاهرة في فئة معينة ، بل تتجلى في سائر مستويات المجتمع وثناياه عبر مسارات سردية متداخلة, ففي المستوى السياسي والإداري ، تترجم الاستفادة من الباطل في صور المحسوبية ، والرشوة، واحتكار القرار، وتمرير القوانين الجائرة المفصلة على مقاس الفئات المتنفذة ؛ وهنا يصبح قول الحق مغامرة كبرى تعني خسارة المنصب ، وتجريداً من النفوذ ، وربما تعرضاً للملاحقة القانونية بتهم تُطَبّخ خلف الكواليس , وعندما ننتقل إلى المستوى الاقتصادي، نجد الباطل يتجسد في الاحتكار الشرس ، والغش التجاري الممنهج ، والتهرب الضريبي ، واستغلال عرق العمالة المستضعفة؛ وحينها تصبح العدالة والمنافسة الشريفة وهي جوهر الحق بمثابة كابوس يهدد بوقف التدفقات النقدية السريعة والأرباح الفاحشة.
أما على المستوى الاجتماعي والثقافي ، فإن الباطل يرتدي قناع النفاق الاجتماعي، وتزوير الحقائق التاريخية أو الواقعية لإرضاء أصحاب الحظوة ؛ وفي هذا الفلك ، يتحول قول الحق إلى سبب للعزل الاجتماعي ، ونبذ الفرد من المنظومة السائدة التي ترى في الصدق خروجاً على الإجماع وتشويشاً على السكينة العامة المعجونة بالزيف.
تلازم المنفعة بالباطل , عوائق الجهر بالحق
خلف صمت المستفيدين ، أو اندفاعهم لشن هجوم مضاد على كل بارقة حق ، تكمن عوائق هيكلية ونفسية تجعل من الصدق خياراً شبه مستحيل.
أول هذه العوائق أن تكلفة الاعتراف باهظة جداً ولا تقوى عليها النفوس الهشة ؛ فقول الحق بالنسبة للمستفيد ليس مجرد كلمة تنطقها الشفاه ، بل هو قرار انتحاري يزلزل منظومته الحياتية بأكملها, إنه يتطلب استعداداً للتخلي عن الثروة ، والاعتراف بالذنب ، وتحمل تبعات المساءلة ، وهو ما يتناقض مع طبيعة النفس التي استمرأت الدعة والرفاهية القائمة على سلب حقوق الآخرين.
ثاني هذه العوائق يتجسد في ضغط البيئة المستفيدة , أو ما يمكن تسميته بتحالف المصالح , فالباطل نادراً ما يكون معزولاً ؛ إنه شبكة عنكبوتية معقدة من المصالح المتبادلة التي تحمي بعضها بعضاً, وإذا قرر فرد واحد من هذا التحالف المظلم أن ينطق بالحق ، فإنه لا يواجه وعيه وفطرته فحسب ، بل يواجه منظومة كاملة ترى في شهادته خيانة عظمى وتهديداً وجودياً لها, سيمارس عليه رفاق الأمس أقصى أنواع الترهيب ، والإقصاء ، والتشويه لإسكاته ، لأن اهتزاز جدار واحد في مبنى الفساد قد يؤدي إلى انهيار السقف فوق رؤوس الجميع.
أما العائق الثالث فهو الاستثمار الطويل والعميق في الباطل , فعندما يقضي الإنسان عقوداً من عمره يبني مجداً، أو يؤسس إمبراطورية مالية ، أو يصنع لنفسه اسماً على أساس باطل ، يصبح الحق بمثابة معول هدم يهدد بمحو تاريخه كله.
ان الاعتراف بالحق هنا يعني بوضوح كل ما أنجزه في حياته كان هباءً منثوراً أو شراً محضاً ، وهي حقيقة نفسية مريرة وصدمة وجودية قاسية تأنف الكبرياء البشرية من تجرعها، فتفضل الاستمرار في غيها والدفاع عن الباطل حتى الرمق الأخيرة.
معركة الوعي وفك الارتباط بالمنظومة الفاسدة
إن استمرار تغليب المصلحة الخاصة على حساب الحق والعدالة يؤدي حتماً إلى تآكل المجتمعات ، وانهيار العقد الاجتماعي، وتحلل القيم الأخلاقية التي تمسك بالنسيج العام. ولتفكيك هذه المعضلة وتجاوز هذا الاستعصاء الأخلاقي، لا يمكن الرهان فقط على يقظة مفاجئة لضمائر الأفراد الذين تلوثت أيديهم بالمنفعة ؛ بل لا بد للمجتمعات الحية من بناء مؤسسات رقابية قوية ومستقلة ، وصياغة آليات قانونية تجعل من تكلفة الاستمرار في الباطل وباهظة ومكلفة جداً مقارنة بتكلفة العودة إلى الحق، عبر تفعيل حقيقي لقوانين الشفافية ومكافحة الكسب غير المشروع.
بالتوازي مع ذلك ، تبرز الضرورة القصوى لـ توفير الحماية القانونية والاجتماعية للشهود والمصلحين ، فمن يملك الشجاعة للنطق بالحق في وجه منظومات الفساد المتغولة يجب ألا يُترك وحيداً لقمة سائغة لقماميع الباطل، بل يجب أن يلتف حوله المجتمع وتحوطه القوانين بالرعاية والدعم.
وفي نهاية المطاف، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الإعلام والصحافة والمنظومات التعليمية في إعادة صياغة الوعي الجمعي ، وغرس قيم النزاهة كمعيار وحيد للنجاح الفردي والمجتمعي، والتشديد على أن الربح السريع المبني على حساب الحق ليس إلا خراباً مؤجلاً للفرد ولأبنائه من بعده ، وأن عروش الباطل مهما تعالت وازدهرت بفعل النفوذ والمال هي عروش من قش تتداعى أمام أول هبة لرياح الحقيقة والعدالة.
إن هذا التلازم بين المنفعة والباطل في طبقة المنتسبين للعلم والدين ليس مجرد استنتاج حديث ، بل هو آفة تاريخية حذّر منها النبي الأكرم وآل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم) بأشد العبارات وأعنف الألفاظ؛ لأنهم أدركوا ببصيرتهم الربانية أن فساد هذه الطبقة هو العلة الأساسية وراء فساد الأمة وتحلل قيمها.
وفي المأثور عنهم (عليهم السلام) نجد ترسانة من النصوص التي تُعرّي هذه الفئة، وتنزع عنها شرعيتها الأخلاقية، وتكشف كيف تتحول المنفعة المادية إلى غشاوة تمنعهم من قول الحق.
تسمية الأشياء بمسمياتها
لقد وضع الرسول الأعظم (ص) معياراً صارماً يكشف العلاقة الطردية بين التكالب على الدنيا وسقوط رجل الدين في فلك الباطل، حيث قال:
الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ .
هذا النص النبوي يحذر الأمة تحذيراً صريحاً من وعاظ السلاطين ؛ لأن ارتهان رجل الدين بامتيازات السلطة وأموالها يسلب منه أمانة الرسالة ، فيصبح بوقاً يشرعن الباطل من أجل الحفاظ على مكتسباته.
وفي ذات السياق ، يصف أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) خطورة هؤلاء الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا ، ويغضون الطرف عن مظالم الحكام مستفيدين من عطاياهم، فيقول في نهج البلاغة :
وإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ والدُّنْيَا ، إِلَّا مَنْ عَصَمَ الله , ويحذر من تلك الفئة التي تلبس لبوس الدين رياءً وطمعاً في المصلحة قائلاً: وعالمٌ جائرٌ ، صَدّ عن الحقّ بِلِسانِهِ ، واسْتَبْطَنَ الجَوْرَ بِعِلْمِهِ, فذلِكَ اللِّصُّ مِنْ لُصُوصِ الأَدْيَانِ .
لم يكن التحذير مقصوراً على مجرد وصف حالهم ، بل امتد لبيان أثرهم الكارثي في تضليل عامة الناس الذين يثقون بهم. فعن الإمام جعفر الصادق (ع) قال:
إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينك ، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب.
والإمام هنا يفكك سيكولوجية العمى الاختياري بدقة متناهية ؛ فالذي يحب المال والمنصب والجاه الذي يأتيه من بيئة الباطل ، سيحوط (أي سيحمي ويدافع) عن تلك البيئة تلقائياً ، ولن يقوى على نطق كلمة حق تهدد مصادر عيشه ووجاهته.
وعن الإمام محمد الباقر (ع) في وصفه لأئمة الجور وأعوانهم من وعاظ السلاطين الذين يتخذون الدين وسيلة للتكسب: علماء السوء يحبون الدنانير والدراهم , ويبيعون الحق بالباطل
وهذا الوصف المرعب يبيّن أن ضرر المستفيد من الباطل يفوق ضرر العدو العسكري الواضح ؛ لأن العدو العسكري يستهدف الأجساد ، بينما المستفيد من الباطل يستهدف العقول والقلوب ، فيبرر للظالم ظلمه ، ويقنع المظلوم بأن خضوعه للباطل هو قضاء وقدر يجب الصبر عليه.
عاقبة الصمت وتزييف الحقائق
إن النصوص التحذيرية لم تغفل العاقبة الروحية والمجتمعية لهذا التواطؤ. فقد جاء في الحديث النبوي الشريف:
مَنْ مَدَحَ سُلْطَاناً جَائِراً، أَوْ تَخَفَّفَ لَهُ وَتَضَعْضَعَ طَمَعاً فِيمَا عِنْدَهُ، كَانَ قَرِينَهُ فِي النَّارِ .
والمدح والتضعضع هنا ليس مجرد كلمات ، بل هو الصمت المطبق عن منكرات الفاسدين ، وتدبيج خطب المحافل التي تغسل جرائمهم ، وإشغال المجتمع بقضايا فرعية بعيدة كل البعد عن آلام الناس وحقوقهم المنهوبة.
المستفيد من الباطل يظن أن مجرد صمته وعدم مشاركته الفعلية في الظلم ينجيه، لكن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) ينسف هذا الوهم في نهج البلاغة بعبارة تزلزل أركان المتخاذلين:
الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ ؛ فالسكوت عن الباطل من أجل استمرار المزايا والمناصب ليس حكمة ولا حياداً، بل هو رضا مبطن يجعل صاحبه شريكاً في الإثم ومسؤولاً عن كل قطرة عرق أو مال نهبت من الضعفاء.
أن منظومة الوحي والعلويّة لم تتعامل مع المستفيد من الباطل كحالة هامشية ، بل اعتبرته الجذر المغذي لكل فساد في الأرض , فالظالم المستبد، أو الفاسد المحترف، لا يمكنه الاستمرار يوماً واحداً لولا طابور طويل من المستفيدين الذين يمدونه بأسباب البقاء ، ويحوطونه بالصمت والمداهنة، ويبررون موبقاته مقابل فتات الموائد.
وصف القرآن الكريم تلك النخب (وخاصة نخب العلم والدين والوجهاء) التي تصمت عن الحق وتبرر الباطل لأنها تقبض الثمن؛ بـ أكلة السحت, والسحت هو كل مال خبيث مأخوذ من حرام أو رشا أو مداهنة. يقول الله تعالى في سورة المائدة:
وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
الآية هنا تحمل صياغة سردية في غاية القسوة والوضوح؛ فهي تربط بين أكل السحت (المنفعة من الباطل) وبين الصمت عن قول الإثم ، وتعتبر صمت أصحاب التوجيه صنيعاً سيئاً يشرعن الجريمة.
يرفض الإمام علي (ع) مبررات الحياد أو السكوت طلباً للسلامة إذا كان وراء هذا السكوت مصلحة مرتجاة , ففي كلمة تزلزل أركان المتخاذلين والمستفيدين صمتاً، يقول في نهج البلاغة:
الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ.
هذا النص يقطع الطريق على كل من يقول: أنا لا أظلم أحداً، أنا فقط أمارس عملي وآخذ مستحقاتي. الإمام يؤكد أن الرضا بالباطل من أجل استمرار المنفعة هو جناية مضاعفة وشراكة فعلية في الجور.
لم يكن الإمام (ع) يخشى على الأمة من أعدائها الظاهرين بقدر خشيتها من تلك النخب التي تبطن الجور وتتلفع بالحق لجني المكاسب. يقول في عهده لمالك الأشتر وفي خطبه:
وعالمٌ جائرٌ، صَدّ عن الحقّ بِلِسانِه ، واسْتَبْطَنَ الجَوْرَ بِعِلْمِهِ.. فذلِكَ اللِّصُّ مِنْ لُصُوصِ الأَدْيَانِ.
ويكمل هذا المعنى بالتحذير من مغبة الركون لأصحاب المصالح الفاسدة الذين تتبدل ألسنتهم تَبَعاً لتبدل محافظهم المالية، قائلاً:
مَنْ مَدَحَ سُلْطَاناً جَائِراً، أَوْ تَخَفَّفَ لَهُ وَتَضَعْضَعَ طَمَعاً فِيمَا عِنْدَهُ، كَانَ قَرِينَهُ فِي النَّارِ, وتلتقي هذه النصوص المعصومة لترسم خطاً فاصلاً في مسيرة الوعي الحقيقي: إن رجل الدين الذي يقتات من فتات الموائد السياسية ، لا يمكن أن يكون لسان حق , فاليد التي تقبض الأعطيات والامتيازات من منظومة الباطل ، يصاب صاحبها بشلل أخلاقي يمنعه من رفعها في وجه الفساد ، لتظل مقولة من يستفيد من الباطل يصعب عليه قول الحق قانوناً سيكولوجياً واجتماعياً تدعمه الشواهد التاريخية وتؤكده النصوص المقدسة.
*اكاديمي وكاتب مستقل
