انا اقرأ...مداركُ الأحكامِ في شرحِ شرائعِ الإسلام  للسيد محمد بن علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي

أسس الإمامَ الصادق عليه السلام مدرسته الكبرى والتي تخرج منها أربعة آلاف عالم في مختلف العلوم والمعرفة، وهذا دليل بيّن على قيمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وعمق الامتداد والتأثير الذي مارسته هذه المدرسة على مختلف المذاهب والعلوم الاسلامية؛ وقد اهتم أهل البيت بعلم الفقه، لأنه القانون الشرعي المنجي لشتى المعضلات، وقد تميّز بالحيوية الدائمة والعطاء الخصب والنمو الذاتي، مما لانجد له نظيراً في المدارس الأخريات التي تجمّد فقهها عند مقطع زمني محدد. ابتدأت مسيرة الفقه الشيعي بعد الغيبة بمدرستين قيّمتين سارتا بالفقه خطوات موفقة، حتى جاء من بعدهم الشيخ المفيد (قدس سره) والذي له فضل كبير في حفظ الفقه الشيعي، حيث محّص آراء المعتمدين على العقل والكتب، وخرج لنا بمجموعة جامعة بين العقل والحديث، وتبلور من هذه المدرسة (الشيخ الطوسي) الذي يعد مجددا للمذهب، متبحّرا في فنون المعرفة، وملمّاً بفقه المذاهب الإسلامية، عارفاً به، ويشهد بذلك كتابه القيّم مسائل الخلاف، حتى حضور (ابن ادريس) الذي تجرأ لمناقشة آراء الشيخ، واستطاع أن يحرّك الأجواء العلمية حينذاك... وكان الفقه الشيعي يُدرّس مع فقه بقية المذاهب، وهناك اتجاه يبتعد عن المسائل الخلافية؛ ويخوض في الأبحاث الفقهية عند العامة، وهناك من خصّص كتابه للفقه الشيعي، وبين معهد بغداد العلمي وظهور الجامعة في النجف الأشرف، ومعهد الحلة بعلمائه ومفكريه وفقهائه... ظهر اسم معهد علمي آخر؛ يضاهي هذه المعاهد وقتذاك، هو جبل بني عامل. 
أخذ صيتاً مهماً في العالم الاسلامي من حيث كثرة العلماء
: لجبل بني عامل دور مهم في الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فقد بذر بذرة الولاء الطاهرة في هذه التربة الخصبة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، لما نفي الى الشام في عهد عثمان؛ نمت البذرة الموالية مع القبائل التي دخلت مع جيوش الفتح، واستقرت في جبل عامل، ومنهم الهمدانيون وخزاعة التي منها الحرافشة. وكان الجبل بسبب موقعه الجغرافي يمثل نقطة الوصل بين بلاد الشيعة في العراق وايران، وبين مصر والشام... وكان لنوابغ الجبل الأثر الكبير في الدراسات الاسلامية خاصة في البلاد المجاورة للجبل. وهناك مدرستان فقهيتان؛ مدرسة الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، والثاني المحقق العراقي... والمعروف أن البيئة لها تأثير عاطفي. الشيخ الحر العاملي: إن علماء الشيعة من جبل عامل؛ يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الأقطار؛ مع أن بلادَهم صغيرة.،
فتح الشهيد عينيه ليحضر مجالس العلم والأدب، ثم جاب أرض الله الواسعة؛ ليعود بنمير العلم الى بلاده... وكان والده (جمال الدين مكي) يحثه ويشجعه على المضي في دراسته، فطاف في مكة والمدينة ومصر وبيت المقدس ودمشق وبغداد... يقول: إني أروي لأربعين شيخاً من علمائهم، وهذا يعني انه جمع علوم الشيعة والسنة والحديث والفقه، وبقية العلوم ـ أثر تدريسه لكل المذاهب ـ فيعتبر هو ثمرة الحلة، ومؤسس مدرسة مهمة في جبل عامل. من اهتمامات هذه المدرسة هو البحث في أقوال الفقه الشيعي فقط، والتبحّر في فحصها ونقدها، وكان نتاجها الذكرى، واللمعة، والدروس الشرعية والبيان، وشرح نكت الارشاد (غاية المراد)، وبذلك تمكن الشهيد (رحمه الله) من وضع اللبنة الأساسية لمدرسته في جبل عامل.لقد حدثتنا إحدى الرسائل القديمة عن قصة استشهاده، وعرفنا أنها تتلخصُ في الحسد؛ لما امتلكه من تأثير امتدّ الى العام والخاص، شيعة وسنة، فكانت علاقته بآخر ملوك حكومة (سريداراي) علي بن مؤيد الذي كان في خراسان... الظروف السياسية منعته من الذهاب الى خراسان؛ ليكون مرجعاً للشيعة فيها، فكان كتابُ (اللمعة الدمشقية) دستورا للبلاد هناك... ظهر أحدُ طلابه عليه، حاملا لواءَ فتنة التفرقة والطائفية، واتسعت عليه الوشاية، ووقع في شهادة الوشاية سبعون رجلا، وأضيف إليها ألف رجل من اتباع ابن جماعة، وقدمت الشكوى الى قاضي المالكية، وقد هدّد القاضي المالكي بالعزل، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال الحكم باهراق دمه! وبعدها صلبوه ثم رموه بالحجارة، ثم احرقوا جسده... ولو كانت المسألة تعني الخلاص فقط؛ لانتهت عند موته، هذه المدرسة انتجت أحمد بن معروف بن المتوج البحراني، شيخ أحمد بن فهد الحلي، والفاضل المقداد. ويُعتبر الشهيد الثاني المتمّم والمكمل لهذه المدرسة الفقهية الكبرى، جاب الأقطارَ، واحترم مخالفيه، لمَّ الشملَ وجمع الكلمة، ترك للمكتبة العديد من المؤلفات؛ (المذهب البارع في شرح المختصر في الفقه - مصباح المبتدي وهداية المهتدي - وعدة الداعي ونجاح الساعي بحدود الثلاثين كتاباً) وجمع علماء السنة والشيعة تحت منبره... ثم جاءت مدرسة المحقق الكركي.رحل الرجلُ الى مصر لدراسة فقه المذاهب الإسلامية، وسافر الى النجف الأشرف، وجدّد الفقه الشيعي، وقد ألّفَ عدة كتب من عيون المؤلفات، ثم هاجر الى ايران، وأصبح شيخَ الإسلام فيها، وطلب من علماء جبل عامل الهجرة الى ايران لتقوية روح التشيع فيها؛ فهاجر ثلاثون عالماً، وتولوا مناصبَ القضاء وصلاة الجماعة... وكان يسعى للحفاظ على وحدة المسلمين، فأسّسَ المدارسَ العلمية لتخريج قضاة ووعاظ ومبلغين، وعين في كل بلد عالما يعلمهم أمورَ دينهم، وكان يعارضُ الضغط السياسي مهما كان، وبهذا أصبح مجالا له في دخول الفقه في السياسة وأمور الدولة، وهكذا أسس مدرسة تخرج منها حسين عبد الصمد العاملي مؤلف العقد الطهماسبي، وهو والد الشيخ البهائي، وقد رفض أعلى منصب في الدولة الصفوية (مشيخة الإسلام) وانتقل الى البحرين... ومن تلامذته الكركي الشيخ تاج الدين عبد العال وابن علي بن الحسين عبد العالي البحرين رئيس أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية... وكان بجبل عامل تراث علمي ضخم، وشخصيات ثقافية بارزة، ورموز علمية. 
: مؤلف الكتاب هو السيد محمد بن علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي، والدته ابنة الشيخ زين الدين العاملي الشهيد الثاني. حضر العراق عند المولي الأردبيلي، وقد ترك مصنفات وعدة حواشٍ، والكثير من الكتب والمؤلفات. 
قال الأفندي ـ في  الرياض: 
 الى اليوم يعتمدون عليه، ويعدونه من أهمِّ الكتب. 
وفي - روضات الجنان: 
كتاب ينتقي الأدلة العقلية، ولذا كان من الكتب المعتمدة. 
وشهد له الشيخ البحراني اللؤلؤة: 
سلك المسلك الوعر والمنهج العسر. 
وأما محتواه، متكوّن من عدة كتب؛ ومنها كتاب الطهارة من حيث المعنى اللغوي والشرعي، والواجبة والمندوبة كوجوب الوضوء عند الصلاة ولمس القرآن والوضوء المندوب، وكذلك الأغسال الواجبة والمندوبة، ووجوب التيمّم، وكل ما يتعلق في مسألة الطهارة، وكتاب الصلاة وآخر في الزكاة علتها ووجوبها واستحبابها؛ كأحكام القرض والصدقة، وفيما يجب فيه الزيارة وما يستحب، وأحكام الصوم وكتاب الحج.

مدارك_الاحكام.jpg