على أساس أي هدف أرادت أمريكا تحصيله، من خلال عدوانها العسكري الأخير على ايران، بعد طول مدة تنفيذ عقوبات وحصار، ومؤامرات فشلت في تحقيق شيء منها، مستغلة أوضاعا داخلية طارئة على جميع الدول، كلما سنحت لها فرصة بذلك، فضلا عن حملاتها التشويهية السياسية والدينية التي طالما استهدفت نظامها وعقيدتها الإسلامية؟ وبأي نتيجة خرجت من كل تلك الإجراءات الأحادية الجانب، تعسفا واستهانة فرضتها باملاءاتها القسرية على المنتظم الأممي؟ وقد كانت تسوق لنفسها وعبيدها من ورائها، مؤتمرين بأوامرها التي هي قطعا في أحكام ديننا تعد ركونا للمتربصين به شرا، وما أكثر المتآمرين على إيران من حكام عملاء، وشعوبا أشرب في قلوبهم هيبة كاذبة لأمريكا، لا ترى الحق والقوة إلا في جانب أمريكا، ويلوذون بالصمت ازاء جرائمها، حتى كادوا يتخذونها ربا، بينما دول وشعوب أخرى حولنا غيرت مساراتها السياسية، وأصبحت ترى أمريكا بعين الحقيقة نظاما مستبدا متغطرسا ظالما يجب الاحتراز منها.
مع أن أمريكا نفذت بجلدها من فييتنام في أواسط القرن الماضي، ففرت مهزومة ذليلة، أمام إصرار الفييتناميين على تحرير أرضهم بطرد قواتها منها، لم تتعض من تجربتها الاستعمارية المرة التي ورثتها من فرنسا، وهي التي مارست فيها أبشع جرائم حرب أرتكبت في العصر الحديث، وكان انتصار الثورة الإسلامية في ايران نذير شؤم عليها، بعدما أطلق عليها قائد ثورتها الإمام الخميني لقب الشيطان الأكبر، يقينا منه بأنها من ذلك الصنف من أشرار البشر، وقد أصاب في توصيفه لها، بحيث أصبحت ثقافة الشعب الايراني وأحرار الأمة الإسلامية، متلازمة مع اعتبار أمريكا شيطانا يلعنونها كما يلعنون الشيطان الرجيم.
قديما فشلت مؤامرة اسقاط النظام الاسلامي التي حرضت عليها أمريكا صدام البعثي، بتمويل خليجي كامل، وهي حرب عدوانية غادرة استمرت ثماني سنوات ( 1980/ 1988)، استنزفت كثيرا من الطاقات، كان من باب أولى توجيهها ضد أعداء الأمة الحقيقيين أمريكا واسرائيل، ولما لاحت هزيمة صدام في مثلث الفاو أعطوه أسلحة كيماوية، ليضرب بها القوات الايرانية في الفاو، وكانوا استعملوها من قبل ضد أكراد العراق في حلبشة، لكنه رغم الأدلة الموثقة ميدانيا وطبيا، بارسال جرحى القصف الكيماوي العراقي إلى عواصم الدول الغربية، كالمانيا وفرنسا وبريطانيا، لاذت السلطات الإمريكية وحلفها الغربي بالصمت بعد الإنكار، خوفا من كشف الجهات الغربية المتورطة في إرسال المواد الأولية للأسلحة الكيماوية، كغاز الخردل وغاز الأعصاب.
هدف تغيير النظام في إيران حلم أمريكي صهيوني قديم، طالما سعى إليه الطرفان، لا يزال مدرجا ضمن مخططاتهما السرية والعلنية، بعد سقوط حليفهم الشاه بهلوي، العميل الأكبر في المنطقة، ومصيبتهم بدأت بقيام نظام اسلامي نموذجي، أخذ على عاتقه مشروع تحرير فلسطين وبدأ بتنفيذ وسائله، بالعمل على تأسيس محور مقاومة مسلحة، بادإمكانه الوقوف في وجه أخطر كيانين على الإسلام والمسلمين، فتح أبواب الأمل والرجاء لطلائع الشعوب الإسلامية، في عودة الاسلام، فاعلا ومؤثرا على الساحة العالمية، منافسا نظريات الحكم الأخرى المتحكمة في مصائر الشعوب، دون تحقيق المرجو من إقامة العدل والأمن بينها.
عداء أمريكا واسرائيل لإيران لم يعد خافيا على أحد، فالعالم باسره مدرك لمداى خطورته، لا يمكن تسميته بغير الخيبة والهزيمة، فما كان يروجه حاكم البيت الابيض من تغيير النظام بالقوة فشل فشلا ذريعا، رغم جرائم قتل القادة الإيرانيين، ومع ذلك ازداد النظام الإسلامي شعبية والتفافا حول مؤسساته، وتمسكا بقداسة دينه ووطنه، وانقلب الحصار على ايران إلى حصار إيران العالم بإغلاق مضيق هرمز على أمريكا والكيان الصهيوني، وعبثا حاول ترامب إثارة دول العالم على إيران، من أجل تشكيل تحالف عسكري دولي ضدها لفتح المضيق، لكن حلفاءه الغربيين انفسهم ادركوا فداحة جرمه، فهو بالنسبة اليهم سبب أساسي فيما آل إليه الوضع، فلم يستجيبوا له في دعوته الرعناء، وتركوه يتخبط في ورطته التي أوقع نفسه فيها.
وبعد كل الذي حصل من عدوان، يحق لنا أن نتساءل هل ربحت امريكا ضرب وتدمير قواعدها العسكرية في دول الخليج العميلة الخانعة؟ أم أن إيران هي التي انتصرت، بالحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بتلك القواعد؟ وهل تمكن الكيان الصهيوني الغاصب من تحقيق شيء من اشتراكه في العدوان على ايران، وقد أظهرت الضربات الصاروخية الايرانية على مواقع عسكرية واستراتيجية داخل الكيان دمارا كبيرا، لم يحصل من قبل منذ احتلاله أرض فلسطين.
ثبات إيران وصمودها وتضحياتها، من أجل قضية الأمة المركزية تحرير فلسطين، برهنت على مبدئية قائمة على أساس مبادئ الإسلام، وانتصارها اليوم بنزول أمريكا على شروطها العشرة، أكد للعالم أن النظام الإسلامي قادم بعزم وإصرار، ليفرض وجوده باقناع تام لمن يفهم لغة الاقناع، ويقوة كاملة لمن تردعه القوة، وبالأسلوبين حسب ما يقتضيه الحال، ليحقق جميع أهدافه في تحرير فلسطين وقد اقترب الموعد، والتمهيد لظهور الإسلام على الدين كله رغم أنوف أعداء الدين الخاتم.
لا شك ان باكستان ليست هي صاحبة المبادرة، وهذا أمر مؤكد ومفروغ منه، فباكستان دولة محسوبة على أمريكا في تنفيذ سياساتها الخارجية بنسبة كبيرة، ورغبة انهاء الحرب هي أمريكية، تختفي وراء الجهة التي بادرت الى ذلك، تفاديا لما هو اسوأ، وليست إيران الإسلامية هي المبادرة إلى شيء من ذلك، بل لقد رأينا العكس حاصلا، فارادة النظام الإسلامي وإصرار الشعب الايراني صاحب المبادئ، على مواصلة الحرب لالحاق الهزيمة الحقيقية بالمعتدين، كانا من مظاهر تحشيد القوى واستدامة إبقاء الأصابع على الازندة، تحسبا لاي طارئ يطرأ من أعداء طبعهم الغدر ونكث العهود، ولو وجدت أمريكا والكيان الصهيوني في إيران ومحورها ضعفا وبوادر هزيمة، لما انقلبوا على أعقابهم مهزومين أذلاء، وقبلوا بشروطها.
الاتفاق الذي أعلن عنه في باكستان جاء ليكشف لنا أنه جاء محققا لشروط إيرانية كاملة مستجيبا للنقاط العشرة التي قدمتها إلى الجانب الباكستاني الوسيط، ورضخت لها أمريكا، وعليه فإن استجابة إيران لتفاهم وقف الحرب، جاء من باب وإن جنحوا للسلم فاجنح لها. ليس ثقة بجانب المعتدين، ولكن في نظر إيران استراحة محارب، من شأنه أن يعد نفسه لأي طارئ قد يطرأ بعد الاتفاق، وتدرك إيران أكثر من أي أحد، أن الطرف المقابل ليس أهلا للثقة والإتفاق الدائم، غدا يسفر صبح الحقيقة في هذا الملف، فمن وعدهم الله باعلاء دينه سينصرهم حتما، ولو اجتمع العالم ضدهم.
