في بعضِ محطاتِ الحياة، يلتقي الإنسانُ بأشخاصٍ لا يمكثونَ طويلاً في أيامه، لكنهمْ يتركونَ أثرا عميقا في قلبه. قدْ يحدثُ أنْ تجمعَ الأقدارُ بينَ روحينِ لسويعاتٍ قليلة، فتتشكلُ في الخيالِ أحلامٌ كبيرةٌ وآمالٌ واسعة، ثمَ يأتي الفراق قبلَ أنْ تبدأَ الحكايةُ أصلا.
التقتْ الأيقونةُ الجميلة، بشابٍ ربما قريبٌ لها منْ بعضِ النسب، لمْ يجمعها بهِ سوى لقاءينِ قصيرين، ولسويعاتٍ عدة، لكنها رأتْ فيهِ ما جعلها تتوقعُ لهُ النجاحَ والخير، وربما تخيلتْ أنَ القدرَ يهيئُ لهما طريقا واحدا، إلا أنَ الشاب، ولأسبابٍ لا يعلمُ حقيقتها إلا الله، آثرَ الاعتذارَ والانسحاب، لا بصيغةِ الاعتذارِ المباشر، بلْ برسالةٍ ، حملتْ في طياتها شعور الاستسلامِ لحساباتٍ كثيرةٍ كانتْ تدورُ في ذهنه.
ورغمَ قصرِ المدة، فقدْ تعلقتْ الأيقونةُ بالفكرةِ، أكثر منْ تعلقها بالشخص، وبقيتْ تتساءلُ عنْ السببِ الذي دفعهُ إلى الابتعاد، وتحاولُ أنْ تجدَ تفسيرا لما حدث، لكنَ بعضَ الأسئلةِ لا تملكُ إجاباتٍ واضحة، وبعضَ الأقدارِ لا تفسرُ إلا بعدَ مرورِ الزمن.
إنَ الإنسانَ قدْ يحبُ شيئا، ويظنهُ خيرا مطلقا له، بينما يكونُ الخيرُ في ابتعادهِ عنه، وقدْ يكرهُ أمرا في بدايته، ثمَ يكتشفُ أنهُ كانَ بابا للنجاةِ والسكينة، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: (وعسى أنْ تكرهوا شيئا وهوَ خيرٌ لكمْ وعسى أنْ تحبوا شيئا وهوَ شرٌ لكم؟ واللهُ يعلمُ وأنتمْ لا تعلمون) البقرة: 216.
منْ هنا، لا جدوى منْ استنزافِ الروحِ في ملاحقةِ ، ما اختارَ القدرُ أنْ يبتعد، ولا فائدةَ منْ البكاءِ على أمنياتٍ لمْ يكتبْ لها الاكتمال، فالإيمانُ باللهِ فوقَ كلِ عاطفة، والثقة بحكمتهِ فوقَ كلِ رغبةٍ مؤجلة.
إنَ أجملَ ما يمكنُ الاحتفاظُ بهِ هوَ الذكريات الطيبة، والدروس التي تعلماها، واللحظاتِ الجميلةَ التي مرت، ثمَ مضت، أما التعلقُ بما انتهى، فإنهُ لا يورثُ إلا التعب وإرهاق القلبِ والجسد.
لذلكَ كانَ الصبرُ والتواضعُ والرضا أكرمَ للإنسانِ منْ الوقوفِ طويلاً على أرصفةِ الانتظار. لا تجعلُ انتظارَ شخصٍ يوقفُ مسيرتك في الحياة، فالأيامَ لا تتوقفُ لأجلِ أحد، فانتظارُ العزيز، قدْ يكونُ شعورا جميلاً إذا كانَ مؤقتا، لكنهُ يصبحُ عبئا عندما يتحولُ إلى تعلقُ يمنعُ الإنسانُ منْ التقدم.
الحياةُ مليئةٌ بالفرصِ والأحلامِ التي تستحقُ السعيَ إليها، لذلكَ لا ينبغي ربطُ السعادةِ بوجودِ شخص، أوْ غيابه. . . فالحياةُ، تسيرُ دائما إلى الأمام، ومنْ يدركُ قيمتهُ يواصلُ طريقه بثقةٍ وأمل، ومنْ الحكمِ المشهورة في هذا المعنى: لا تنتظرُ منْ لا يأتي، ولا تتوقفُ عنْ السير؛ لأنَ أحدهمْ تأخر.
إنَ الحياةَ لا تتوقفُ عندَ محطةٍ واحدة، والمستقبل أوسع منْ قصةٍ لمْ تكتمل، والأحلام الحقيقية هيَ تلكَ التي نبني بها أنفسنا، ونرتقي بها نحوَ ما ينفعنا ويبقى أثره. فلنقولْ إذن: كلٌ للانتظار، فالقطارُ لا ينتظرُ أحدا، ومنْ كتبٍ لهُ أنْ يكونَ في رحلتنا، سيصعدُ في موعدهِ الذي اختارهُ الله، ومنْ لمْ يكتبْ لهُ ذلك، فسيبقى ذكرى عابرةٌ نتعلمُ منها ثمَ نمضي.
ألمٌ نسمعُ قولا- سبحانهُ وتعالى- ( فإنَ معَ العسرِ يسرا، إنَ معَ العسرِ يسرا) الانشراح: 5: 6.
