في كلِّ عامٍ، ومع إطلالةِ شهرِ محرّمٍ، يتجدّدُ العزاءُ في قلوبِ الموالينَ والمحبينَ، وتتّجهُ الأبصارُ والقلوبُ نحوَ كربلاء، حيث ما زالَتْ معركةُ الطفِّ حيّةً في الوجدانِ، وكأنَّها وقعَتْ بالأمسِ القريبِ، فهناكَ على تلك الأرضِ التي ارتوَتْ بالدمِ الطاهرِ، تولّدَتْ حرارةٌ في قلوبِ المؤمنينَ لا تنطفئ أبداً، كما وردَ في الأثرِ الشريفِ، لتبقى عاشوراء نبضاً متجدّداً في ضميرِ الأُمّةِ جيلاً بعدَ جيلٍ، ومع استعدادِ الملايين لإحياءِ هذه الذكرى، خطرَ ببالي سؤالٌ أخذَ يتردّدُ في أعماقي:
كيفَ سيكونُ العزاءُ لو كانَ صاحبُ العصرِ والزمانِ (عجل الله فرجه) هو من يستقبلُ المعزِّينَ عندَ قبرِ جدِّهِ الحسين (عليه السلام)؟
كيف سيكونُ المشهدُ لو انكشفَتِ الحجبُ، ووقفنا بينَ يدي الإمامِ المنتظرِ وهو يستقبلُ المواسينَ والباكينَ؟
أي رهبةٍ ستملأ القلوبَ حينَ تقعُ الأبصارُ على بقيةِ الله وهو يحملُ في صدرِهِ حزنَ القرونِ كلّها؟
وأيُّ عزاءٍ ذاك الذي يكونُ صاحبُهُ هو صاحبَ المصيبةِ؟
نحنُ اليوم نبكي الحسين (عليه السلام)، ونستذكرُ مصابَهُ، لكن ماذا لو رأينا بأعيننا وارثَ ذلك الحزنِ الممتدِّ عبرَ الأجيالِ؟
ماذا لو رأيناه واقفاً عندَ قبرِ جدِّهِ، وقد أثقلَتِ المصيبةُ قلبَهُ الشريفَ، وهو الذي عاشَ غربتها قروناً طويلةً، ينتظرُ اليومَ الذي يأذنُ الله تعالى له فيه برفعِ رايةِ الثأرِ للحقِّ والعدالةِ؟
كيفَ سيكونُ حالُ المعزِّينَ حينَ يرونَهُ يذرفُ الدموعَ على جدِّهِ؟
بل كيفَ ستكونُ قلوبهم إذا شاهدوا من طالما خاطبَ جدَّهُ قائلاً: "ولأبكين عليك بدل الدموع دما"؟
أيُّ قلبٍ سيبقى قادراً على التماسكِ عندها؟
وأيُّ عينٍ ستملكُ أن تحبسَ دموعها؟
إننا اليوم نتصوّرُ الحزنَ من خلالِ الرواياتِ والمراثي والمجالسِ، أما لو كانَ الإمامُ الحجة (عليه السلام) حاضراً بينَ الناسِ، يندبُ جدّهُ بصوتِهِ، ويرفعُ نعيَهُ بنفسِهِ، ويستقبلُ المواسينَ بوجهٍ أثقلتْهُ قرونُ الانتظارِ… لكانَ للعزاءِ شأنٌ آخرُ، وللبكاءِ معنى آخرُ، وللمصيبةِ حضورٌ لا يشبهُهُ حضورٌ، حينها لن يكونَ البكاءُ مجرّدَ دموعٍ تنحدرُ من العيونِ، بل ارتجافُ أرواحٍ وقفَتْ أمامَ الامتدادِ الحي لمظلوميةِ الإمام الحسين (عليه السلام.)، وحينها سيدركُ الناسُ أنَّ عاشوراءَ ليسَتْ ذكرى تاريخيةً تستعادُ كلَّ عامٍ، بل جرحٌ ما زالَ مفتوحاً في قلبِ ولي الله الأعظمِ، وربما عندَ ذلك المشهدِ، ستخجلُ الكلماتُ من نفسها، وتعجزُ المراثي عن أداءِ حقِّ المصابِ، لأنَّ صاحبَ العزاءِ نفسَهُ حاضرٌ بينَ المعزين…
فأيُّ منظرٍ ذاك؟
وأيُّ قلبٍ يحتملُ أن يرى إمامَ زمانِهِ واقفاً عندَ قبرِ جدهِ الحسين (عليه السلام)، يعيدُ مصابَهُ من جديدٍ، وكأنَّ كربلاء قد وقعَتْ في تلك اللحظة؟
إنهُ مشهدٌ لو كُتبَ للبشرِ أن يشهدوه، لتحوّلَتِ الأرضُ كلها إلى مأتمٍ واحدٍ، ولأدركَ العالمُ أجمعهُ أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يكن رجلاً من الماضي، بل قضيةٌ حيةٌ ما زالَتْ تنبضُ في قلبِ إمامِ العصرِ، كما تنبضُ في قلوبِ المؤمنينَ والمحبينَ...
سلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولادِ الحسين، وعلى أصحابِ الحسين، وسلامٌ على القلبِ الذي ما زالَ يحملُ هذا العزاءَ منذُ قرون، ينتظرُ وعدَ الله (تعالى) بالظهورِ، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئَتْ ظلماً وجوراً.
