هناكَ فرق تدخل مباراة كرة القدم، وهيَ تفكرُ بالفوز، وأخرى تدخلها واضعة التعادل هدفا مقبولا، أما الفريق العزيز، القريبُ منْ قلوبِ أكثرَ منْ أربعينَ مليونَ مواطن، فقدْ ارتقى إلى مستوى جديدٍ منْ التفكيرِ التكتيكي؛ إذْ لمْ يعدْ السؤال: كيفَ نفوز؟ أوْ حتى كيفَ نتعادل؟ بلْ أصبح: كيفَ نخرجُ بأقلِ الأضرارِ الممكنة؟
ولنطويَ صفحةَ المباراةِ الأولى، بما حملتهُ منْ خسارةٍ ثقيلةٍ ، وأخطاءٍ عديدةٍ يتحملُ مسؤوليتها الجميع، فقدْ أشبعتْ تحليلاً ونقدا منْ المختصينَ والمتابعين، ولمْ يعدْ في جعبتها ما يقال.
أما اليوم، فأنظارنا تتجهُ إلى المواجهتينِ المقبلتينِ أمامَ اثنينِ منْ أقوى المنتخباتِ في أوروبا وأفريقيا؛ فرنسا والسنغال، خصمانِ يمتلكانِ السرعةَ والمهارةَ والفنَ الكروي، ويجيدانِ الهجومَ الخاطفَ، كما يجيدانِ الدفاعَ الصلب.
التحدي الجديد :
في خضمِ هذهِ المعطيات، جلسَ المدربُ وجهازهُ الفنيُ ساعاتٍ طويلةً يدرسونَ الخياراتِ المتاحة، نظر إلى لاعبيه، ثمَ إلى المنافس، ثمَ رفعَ بصره إلى السماء، وكأنما يبحثُ عنْ معجزةٍ كروية، وبعدَ تفكيرٍ عميق، وتأملٌ طويل، خرجَ بالخطةِ التاريخيةِ التي ربما تجدُ مكانها- يوما ما- في كتبِ الطرائفِ والملهاةِ الرياضيةِ أكثر مما تجدُ مكانها في كتبِ التكتيكِ الحديث.
الخطة الخيالية:
لنرسم خطة، من وحي الخيال، لأي فريق يمر بهكذا ظروف، وليس لفريقنا، فالمدرب وكادره الفني هم الأعرف بذلك، فإن هذهِ الخطةُ تبدو، وكأنها مزيجٌ بينَ كرةِ القدمِ والهندسةِ العسكرية؟ منْ الناحيةِ القانونية الرياضية، لا توجدُ مشكلةٌ في أنْ يقفَ لاعبانِ إضافيانِ بجوارِ حارسِ المرمى، لكنهما لنْ يكونا حارسيْ مرمى فعليين، فقطْ لاعب واحد يسجلُ كحارسِ مرمى، ويسمحُ لهُ باستخدامِ يديهِ داخلَ منطقةِ الجزاء، أما الآخران، فهما مدافعانِ متنكرانِ في هيئةِ حراس.
تحليلُ الخطة: ثلاثةُ لاعبين أمامَ المرمى: يزيدونَ منْ فرصِ صدِ التسديداتِ القريبة، لكنهمْ يتركونَ بقيةَ الملعبِ شبه فارغ.
سبعةُ مدافعين: يجعلونَ اختراق العمقِ مهمة شاقة، وكأنَ المهاجمَ يحاولُ عبورَ سبعِ بواباتٍ متتالية.
الوسط والهجوم: لاعبٌ واحدٌ: لكلِ أدوارٍ الوسطِ والهجوم.
هنا تبدأُ المأساة، فهذا اللاعبُ مطالبٌ بأن: يستلمُ الكرة، يبني الهجمة، يراوغ، يصنعُ الفرص، يسجلُ الأهداف، ويعودُ للدفاعِ عندَ فقدانِ الكرة، بمعنى آخر، يحتاجُ إلى رئتينِ إضافيتينِ ومحرك نفاث.
الصعوبة الكبرى: أنَ كرةَ القدمِ ، لا تحسمُ فقطْ بمنعِ الأهداف، بلْ أيضا بتسجيلها، فإذا استحوذَ الخصمُ على الكرةِ بنسبةِ 90 % مثلا، فسيجدُ الفريق نفسه تحتَ حصارٍ دائم، مهما بلغَ عدد المدافعين.
لذلك يمكن تسمية الخطة:
3–7–1 "قلعة الصمود الأخيرة"، أما النتيجة المتوقعة ، حسب ما مخطط لها فهي أحد أمرين:
1- التعادل( 0-0 ) إذا كان اللاعب المهاجم الوحيد خارقًا للطبيعة.
2- أن يقضي الفريق المباراة كلها داخل منطقة جزائه، حتى ينهار الجدار الدفاعي العظيم في النهاية، لكن الأقدار قد تضيف توقعا آخراً صادمًا ، والله الساتر اللطيف.....؟
الحدس الرياضي:
في حالة تجاوزَ المهاجمُ الخصم، الخطَ الأولَ وجدَ الثاني، وإذا تجاوزَ الثاني وجدَ الثالث، وإذا تجاوزَ الجميع وجدَ الحراس الثلاثة، وإذا تجاوزَ الحراس أيضا، فعندها لا يبقى إلا الدعاء ورفع الأيدي الى السماء.
هي، ليستْ خطةً تكتيكية، بلْ نظام دفاعٍ متعدد الطبقات، يشبهُ حمايةَ كنزٍ أسطوريٍ أكثر منْ مباراةِ كرةِ قدم، والمهاجم الوحيد، يركضُ عرضٌ وطول، شمالاً وجنوبا، وكأنَ الملعبَ ملكٌ شخصيٌ له، لا تعليماتٍ تكتيكيةً معقدة، فقطْ عبارة واحدة: (وين ما تروحُ … روح).
فلسفةُ الهجوم: لا تعتمدُ الخطةُ الهجوميةُ على بناءِ اللعبِ أوْ الاستحواذِ أوْ الضغطِ العالي، بلْ تعتمدُ على النظريةِ الشعبيةِ الخالدة: " (عثرةٌ بدفرة) " فربما يخطئُ أحد مدافعي الخصم، وربما، ترتدُ كرةٌ منْ الحارس، وربما ، تصطدمُ الكرةُ بالحكم، وربما، تهبُ نسمةْ هواءٍ مفاجئة، وعندها ينطلقُ لاعبنا الوحيدُ نحوَ المرمى، ويسجلُ هدفا تاريخيا يدخلُ كتبَ الإحصاءِ أو غينيس للارقام القياسية، باعتبارهِا الهجمةِ الوحيدةِ للفريقِ طوالَ المباراة.
دورُ الجمهور: أما الجماهيرُ الصابرة والمحبة للفريق، فلها مهمة لا تقلُ أهميةٌ عنْ مهمةِ اللاعبين، فبينما يدافعُ السبعة، ويحرسُ الثلاثة، ويركضُ الواحد، سيكونُ الجمهورُ مطالبا بما يلي:
( الدعاء المستمر، رفع الأكفِ إلى السماء، ترديد عباراتِ التفاؤل، طلب اللطفِ الإلهيِ، لتقليلِ عددِ الأهدافِ المستقبلة)، فالمباراة في هذهِ الحالة، لمْ تعدْ مجردَ منافسةٍ رياضية، بلْ مشروعَ وطنيَ يحتاجُ إلى تضافرِ الجهود.
الخلاصة؛ أنَ الخطةَ ليستْ دفاعيةً كما يعتقدُ البعض، بلْ هيَ " هجوميةٌ مؤجلةٌ "، و بثقةٍ كبيرة: " نحنُ لا نرفضُ الهجوم، نحنُ فقطْ نؤجلهُ حتى إشعارٍ آخر.
الأمنيات: والله إننا لنذرف الدموع حزنًا وأسىً على ما وصل إليه واقعنا الرياضي، رغم حبنا الكبير وتعلّقنا العميق بكرة القدم، ورغم المبالغ الطائلة التي صُرفت من أجل أن يظل علم الوطن عاليًا خفّاقًا بين أعلام الأمم. فذلك المشهد وحده كان مصدر فرحتنا وفخرنا، وكان كفيلًا بأن ينسينا مرارة النتائج، مهما كانت نتيجة المباراة.... في جميعِ الأحوال، يبقى الأملُ قائما … قدْ تصنعُ معجزة كروية لا ينساها أحد.
نتمنّى أنْ لا تصلَ النتيجةُ إلى نصفِ درزنٍ، مثلَ ما تحمَّله إخوانُنا القطريّون، لأنّه ثقيلٌ علينا ويُوجِعُنا جدًّا؛ وربّما نحظى بالتعادلِ في إحداهما، وهذه الأمنيةُ الكبيرة، حتى تُسجَّلَ في التاريخِ الرياضيّ.
فلننضم، الى طلاب الدعاء للفريق الرياضي في مبارتيه القادمتين، حباً بالوطن، أكثر من كرة القدم المسحورة. يبقى أملنا الكبير بأبطالنا الغيارى يقدمون، ما يشرفنا في هذا المحفل الكروي الكبير.
ولا نقولُ أخيراً، إلا قوله- سبحانهُ وتعالى- ( قلْ لنْ يصيبنا إلا ما كتبَ الله لنا) صدقَ اللهُ العظيم.
