تمهيد
من الأخطاء الشائعة في كثير من البحوث العلمية أن ينشغل الباحث بمناقشة الأدلة الجزئية وتفاصيل الاستدلالات، قبل أن يلتفت إلى الضوابط المنهجية الحاكمة على أصل عملية البحث والاستنتاج.
فليس كل نتيجة يمكن الوصول إليها عبر سلسلة من المناقشات والاستظهارات والاجتهادات تكون نتيجةً مقبولةً من الناحية العلمية؛ لأن قيمة النتيجة تابعة ـ في كثير من الأحيان ـ لصحة المنهج الذي أُنتجت من خلاله.
وكثيراً ما يكون الخلل كامناً في زاوية النظر إلى المسألة قبل أن يكون كامناً في تفاصيل الأدلة نفسها.
ولهذا فإن الباحثين لا يكتفون عادةً بدراسة الأدلة الخاصة بكل مسألة، بل يبحثون أيضاً عن القواعد العامة والمرتكزات العقلائية والضوابط المنهجية التي ينبغي أن تحكم عملية الاستدلال؛ لأن هذه الضوابط تمثل الإطار الذي تُفهم الأدلة في داخله، وتُقاس النتائج على أساسه.
ومن هنا قد تكون الملاحظة المنهجية الواحدة أحياناً أعمق أثراً من عشرات المناقشات التفصيلية؛ لأنها تسلط الضوء على الطريقة التي عولجت بها القضية من الأساس، لا على بعض جزئياتها فحسب.
وفيما يأتي لسنا بصدد الخوض في بحث استدلالي تفصيلي لإثبات نظرية معينة أو نفي أخرى، كما لسنا بصدد استقصاء الروايات والأدلة ومناقشتها واحداً واحداً؛ فإن لذلك مقاماً آخر.
وإنما الغرض هو التنبيه إلى ملاحظة منهجية نرى أن لها دوراً أساسياً في مقاربة جملة من القضايا الكبرى المرتبطة بمصير التشيع ومساره التاريخي، وهي ملاحظة كثيراً ما تُغفل عند الانشغال بالتفاصيل والجزئيات.
وحاصل هذه الملاحظة أن طبيعة القضية المدعى ثبوتها، وحجم الآثار المترتبة عليها، ومدى ارتباطها بحفظ التشيع وبقاء أهله وتحديد المسار العام الذي ينبغي أن يسلكوه، ليست أموراً أجنبية عن عملية الاستدلال، بل هي عناصر مؤثرة في كيفية تقييم الأدلة نفسها، وفي مقدار البيان المتوقع صدوره من الأئمة (عليهم السلام) بشأنها.
فليس من الصحيح منهجياً أن نتعامل مع جميع القضايا بمعيار واحد، من دون التفات إلى الفارق بين حكم جزئي محدود الأثر، وبين قضية مصيرية يراد لها أن ترسم مسار الطائفة لأجيال متعاقبة، أو أن تحدد طبيعة علاقتها بالسلطة والمجتمع والتحولات الكبرى.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تأسيس ضابطة منهجية سابقة على الدخول في تفاصيل الاستدلال، يمكن من خلالها تقييم طبيعة الأدلة التي يفترض أن تثبت مثل هذه القضايا المصيرية، ومدى انسجامها مع حجم المدعى وخطورته.
القضايا المصيرية وضرورة وضوح البيان
من المرتكزات العقلائية التي لا يكاد يقع فيها نزاع بين العقلاء أن القضية كلما ازدادت خطورةً وعظمت آثارها واشتد ارتباطها بمصير جماعة من الناس وبقائهم وحفظ هويتهم، ازدادت الحاجة إلى وضوح بيانها ورفع أسباب الالتباس عنها.
فالعقلاء لا يتركون القضايا التي يتوقف عليها بقاء الجماعة وحفظ نظامها وتحديد مسارها العام إلى العبارات المحتملة أو الإشارات الخفية أو البيانات التي تتجاذبها التفسيرات المتعارضة، بل يحرصون على تأكيدها وتكرارها وبيانها بأوضح الأساليب وأبعدها عن مواطن الشك والنزاع.
وإذا كان هذا هو مقتضى السيرة العقلائية في شؤون الناس الاعتيادية، فهو في حق الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أولى وأوضح؛ لما ثبت من كمال حكمتهم، وعظيم شفقتهم على شيعتهم، وحرصهم البالغ على حفظهم من الضلال والاختلاف والوقوع في موارد الهلكة.
وعليه فإن كل قضية يتوقف عليها حفظ التشيع، أو الحفاظ على البقية الباقية من أهل الحق، أو تحديد المسار العام الذي ينبغي للشيعة سلوكه عبر الأجيال والقرون، لا يُتوقع أن يكون بيانها قد تُرك في دائرة الإجمال أو الغموض أو الاحتمال.
بل مقتضى الحكمة والشفقة واللطف أن تُبيَّن هذه القضايا ببيان يتناسب مع خطورتها، وأن تتكاثر النصوص الواردة فيها، وتتعدد المناسبات التي يُشار إليها فيها، وأن تبلغ من الوضوح حداً لا تبقى معه عرضةً لكل هذا المقدار من التردد والاضطراب والتنازع.
شاهد تطبيقي: الإمامة ووضوح البيان
ولعل أوضح شاهد على هذه القاعدة ما نجده في قضية الإمامة نفسها، فإنها من أعظم القضايا المصيرية في الدين، بل هي القضية التي يتوقف عليها حفظ الشريعة وصيانة الأمة من الضلال بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ومن هنا لم يترك النبي والأئمة (عليهم السلام) أمرها إلى الإشارات المحتملة أو البيانات المجملة أو الاستظهارات المتنازع فيها، بل تكاثرت النصوص الواردة بشأنها، وتعددت المناسبات التي أكدت عليها، وتنوعت أساليب بيانها بين التصريح بالأئمة واحداً بعد واحد، وبيان عددهم، والتنبيه إلى منزلتهم ووظيفتهم، والتحذير من الجهل بهم أو الانحراف عنهم.
ولم يقتصر الأمر على أصل الإمامة، بل امتد إلى بيان حدودها وآثارها ووظائف الأمة تجاهها، حتى أصبحت من أكثر القضايا حضوراً في التراث الروائي الإمامي.
وليس ذلك أمراً اتفاقياً، بل هو مقتضى الحكمة نفسها؛ إذ كلما عظمت آثار القضية واتصلت بمصير الأمة وهدايتها كان من الطبيعي أن يزداد وضوح البيان الصادر بشأنها، وأن تتكاثر النصوص المؤكدة لها بما يرفع أسباب الحيرة والاشتباه.
ومن هنا يمكن أن نستفيد ضابطة عامة، وهي أن حجم البيان وكثافته ووضوحه يتناسب عادةً مع حجم القضية وآثارها المصيرية، وأن القضايا التي يراد لها أن تكون أصولاً حاكمة على مسار الأمة لا يناسبها أن تبقى معلقة على إشارات محتملة أو استظهارات قابلة للنقض.
وإذا كانت الإمامة ـ مع عظيم شأنها ـ قد حظيت بهذا المقدار من البيان والتأكيد والتكرار، فإن القضية التي يتوقف عليها حفظ أتباع هذه الإمامة، وصيانة البقية الباقية من أهل الحق، وتحديد المسار العام الذي ينبغي أن تسلكه الطائفة في عصر الغيبة، لا تقل أهمية من هذه الجهة؛ لأن الخطأ فيها لا يقتصر أثره على حكم جزئي أو موقف عابر، بل قد ينعكس على مصير الجماعة المؤمنة بأسرها، وعلى الدماء والأموال والعلاقات والمواقف التي تتخذها عبر الأجيال.
ومن هنا يكون من الطبيعي أن نتوقع بشأنها مستوىً من البيان يتناسب مع خطورتها وأثرها، وأن نسأل عن حجم الحضور الذي تحظى به في كلمات الأئمة (عليهم السلام)، وعن مقدار الوضوح والتأكيد الذي ورد فيها، قبل الدخول في تفاصيل الاستدلالات الجزئية المتعلقة بها.
تطبيق القاعدة على وظيفة الشيعة في عصر الغيبة
إذا أردنا تطبيق هذه القاعدة على البحث الدائر حول وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، وجدنا أنفسنا أمام اتجاهين مختلفين:
الاتجاه الأول: يرى أن الوظيفة العامة التي رسمها الأئمة (عليهم السلام) لشيعتهم هي الانتظار والصبر والتثبت والكف عن الاستعجال حتى يأذن الله تعالى بظهور القائم (عليه السلام).
والاتجاه الثاني: يرى أن الوظيفة العامة هي التمهيد لإقامة دولة تسبق الظهور وتكون مقدمة له ونواةً لدولته العالمية، وأن هذا المشروع يمثل العنوان المركزي الذي ينبغي أن تتحرك الطائفة في ضوئه خلال عصر الغيبة.
وإذا غضضنا النظر مؤقتاً عن المناقشات التفصيلية للأدلة، ونظرنا إلى المسألة من زاوية حجم البيان الوارد في النصوص، ظهرت مفارقة لافتة.
فإن مفهوم الانتظار يحضر في الروايات حضوراً كثيفاً ومتكرراً، وترد بشأنه نصوص كثيرة ومتنوعة المضامين والموارد؛ فتارة يؤمر به، وأخرى يمدح أهله، وثالثة يوصف بأنه من أفضل الأعمال، ورابعة تقرن به مفاهيم الصبر والتثبت والكف وترك العجلة وانتظار الفرج.
كما تحضر في السياق نفسه طائفة واسعة من الروايات التي تؤكد أن دولة أهل البيت (عليهم السلام) هي آخر الدول، وأن الله تعالى لم يترك لأحد حجة حتى يملك قبلهم، وأن الأمر مؤخر إلى حينه المعلوم، وتحذر من الاستعجال ومنازعة أهل السلطان سلطانهم قبل تحقق الوعد الإلهي.
ومن مجموع هذه النصوص يتكون اتجاه عام واضح المعالم، تلقته الطائفة الإمامية جيلاً بعد جيل بوصفه العنوان الحاكم لوظيفتها في عصر الغيبة.
أما فكرة التمهيد بالمعنى المتداول اليوم، أي اعتبار إقامة دولة سابقة على الظهور مشروعاً مركزياً تتوقف عليه وظيفة الشيعة العامة، فإن الباحث ـ بصرف النظر عن موقفه النهائي منها ـ لا يجد لها حضوراً نصياً مماثلاً من حيث الكثرة والوضوح والتكرار والتأكيد.
ومن هنا تنشأ الملاحظة المنهجية: فلو كانت هذه النظرية تمثل بالفعل البرنامج المركزي الذي أراده الأئمة (عليهم السلام) للطائفة طوال قرون الغيبة، وكان يترتب عليها ما يترتب من دماء وأموال وصراعات وتحولات كبرى، لكان المتوقع عقلائياً أن تحظى بمستوى من البيان يوازي حجمها وخطورة آثارها، كما وقع في سائر القضايا المصيرية الكبرى.
أما إذا كان إثباتها يتوقف على استظهارات واجتهادات ومناقشات طويلة، مع غياب ذلك الحضور النصي الكثيف والواضح، فإن ذلك يفرض على الباحث التوقف ملياً قبل التسليم بأنها تمثل الأصل الحاكم الذي رسمه الأئمة (عليهم السلام) لمسيرة الشيعة في عصر الغيبة.
وهذا هو الميزان المنهجي الذي ينبغي أن يُحفظ في الذهن قبل الدخول في مناقشة الأدلة التفصيلية والوجوه الاستدلالية؛ لأن كثيراً من النتائج تتغير حين تُدرس في ضوء القواعد المنهجية الحاكمة، لا في ضوء المناقشات الجزئية وحدها.
