. نعم سقط الحسين قتيلاً صريعاً على أرض كربلاء مضرجاً بالدماء وبسقوطه سقطت كل أقنعة الزيف والافتراء التي خطط لها بأن الحسين خرج عن حده فقتل بسيف جده هذا الشعار أن المتفوه به كان لسانا من ألسنة الظلمة ألا وهو شريح القاضي، هذا الرجل الذي باع دينه بدنيا غيره، وهو أسوأ حالا ممن باع دينه بدنياه ، كان مرتزقاً يمارس مهنة بعنوان ( فقيه ) يبحث عمن يدفع له وينظم الفتاوى لطاغية عصره ولمن يريد مقابل أن ينعم هو واقرانه بالذات والغنائم وزخرف الدنيا ومفاتنها الزائلة ، التي قالها عنها الامام علي (ع) : ( طلقتك ثلاث لا رجعة لي فيك) وفي مورد آخر قال عنها : ( أنها لا تساوي عندي عفطة عنز) ، صحيح أن رمضاء كربلاء كانت وسادة احتضنت جسد أبا لأحرار ،ولكن السؤال الاهم الذي يطرح نفسه في علاقة جدلية كيف يمكن للتراب أن يثبت لنا الاثار والجريمة ويدون التاريخ وحقيقيته، ميزة التراب أنه لايحفظ الاثر فكلما مرة رياح مسحت الأثر وما كتب عليه ؟جوابي البسيط هو : أن أبا الضيم نحت وثبت مأساته وجراح ظلامته وجراحات من قتل معه في عمق ضمائر عقول وفكر الأحرار جيلاً بعد جيل بما حل به وبأهله وأنصاره بفاجعة لم يعرف ويسمع الجبين الانساني وهو السبط والاحاديث اعطته خصوصوية عليا في المودة والمحبة بما رواه النبي الاعظم بحقه وبمنزلته العظيمة بقوله : ( أحب الله من أحبا حسينا وحسين مني وأنا من حسين ) أو ليس هذا يكفي ودليل كافٍ على حفظه ، كل هذا لم يشفع له اثناء المعركة بقتاله مع أشخاص نزعة من قلوبهم الرحمة فتحولوا بفعل سلوكهم لوحوش تلتهم كل شيء أمامهم ، فإن أومأت ببصرك إلى جانب العطاء الذي قدم بكربلاء عطاءٌ بلا حدود ستجد قائد ومصلح اجتماعي أراد الاصلاح لهذه الأمة وهو يجود بروحه وبدمه وبلا تأخر فأن الانتصار الذي تحقق له على جميع الصعد من خلال تحول الحسين الى نقطة بداية تعدت مديات العناوين والأمكنة محط أعجاب وتقدير وليست قضية تاريخية انتهت في وقتها ، فقد أضحى معبراً وجسراً للأحرار هو ظاهرة تعطي الشرعية التحررية لكل ثائراً على الظالم ، فنجد هنالك البوذي والسيخي والمسيحي والملحد القاسم المشترك بينهم هو استلاهمهم منها لرفضهم للعيش بذلة وخنوع مع المستبد الذي يريد أن ينقض على مقدراتهم فثاروا وانتفضوا انطلاقاً من مبادئهم ، ناهيك عن المسلمين وما شكله سيد الشهداء من منعطف مهم في حياتهم للتصدي لشتى أنواع الطغاة الذين تعاقبوا على الأمة ، هذا الانتصار الذي حير العقول والقلوب فيه سرٌ مرتبط مع الله ، لسنا مجبرين أن ندخل الخرافة لهذه الملحمة بأقوال أو أفعال تؤذي قلب الحسين وتغير من واقع الحقيقة ، الوعي كل الوعي هو السير على نهجه وقيمه وخطه بأن نكون دعاة للحق غير مهادنين للظالم وأن لا نكون أعواناً له نعطي الانطباع الحسن الجميل ، علينا أن نوضح للناس ما هي الابعاد والدروس المستفادة لواقعة استمر يكتب عنها لأكثر من (1400) عام غير قابلة للنسيان ولا للنضب لا تنتهي هي تتفجر مأثر وإباء وقوة وشجاعة ، مأساة ابا الشهداء كافية وشاهد يبين لنا حجم الوحشية التي عاشها الامام ضد معسكر لايمتلكون شرف الخصومة تجاوز على حد قول المؤرخين ثلاث أو أربعة الاف مقاتل مقابل اثنان وسبعون ، وهو يرى رضيعه يقتل طالباً له الماء ، أي حقوق أنسان عالمية ترضى بهذا الصورة المأساوية وهي تدافع اليوم عن حقوق الحيوان قبل الإنسان ، هذه وحدها تدين طاغية عصره وجيشه وزمانه بل وحتى كل الازمنة والعصور ، أن تنزيه المنبر الحسيني يجب أن يكون منبراً قائم على أرشاد الناس وتوعيتهم يرتقي بهم يشخص مشاكل حالهم ومساعدتهم في ايجاد حلول لهم بعيداً عن السطحية لتصحيح المسار ، بخلاف بعض المنابر التي تكشف وجود خلل سطحي تارة، وعميق تارة أخرى، في فهم الواقع، ما أدَّى إلى أحكامٍ خَاطِئَةٍ على طبيعة وواقع الأحداث التاريخية من جهة، وطبيعة المنبر من جهة أخرى، والفهم العام لها عن طريق الطرح بأسلوب منفر بعاطفة منفلتة ولماذ كل هذا ؟ الطرح الحضاري هو الطرح الديناميكي لسيرة الحسين وسيرته حافلة بالشواهد والدلائل ، يذكر في كتاب الملحمة الحسينية للشهيد مرتضة مطهري (ر.ض) :(الحُسَّين -عليه السَّلام- يستشهد ثلاث مرَّات): "إنَّ الإمام الحُسَّين (عليه السَّلام) (قد مرَّ بثلاث مراحل في استشهاده المرَّة الأولى، استشهِد على يد اليزيديين، بفقدانه جسده ، والمرَّة الثانية، استشهد من خلال تشويه الأعداء لسمعته، ومقامه، واسمه، لا سيَّما على يد المتوكِّل العبَّاسي ، والمرَّة الثَّالثة، استشهدت أهدافه على يد أهل المنبر الحُسَّيني وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم ) وهنا يقصد الشهيد تفريغ الثورة من محتواها الأصلاحي النهضوي والمباىء التي جاءت بها ، ويضيف مطهري : "إنّ هذه القضية ينبغي عرضها كما هي ودون زيادة أو نقصان؛ لأنّه في حالة أيّ تدخلٍ أو تصرفٍ في اللفظ أو المعنى مهما كان بسيطاً سيرتّب بلا شكّ حرف اتجاه الحادثة عن مسارها، وبالتالي إلحاق الضرر بأُمّتنا بالتأكيد بدلاً من إفادتها منها".
