عاشوراء اليهودية والأموية: قراءةٌ في جذور صوم العاشر

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
يُمثّل يوم العاشر من المحرّم (عاشوراء) في الوجدان الشيعي قمَّة المأساة الإنسانية والرِّسالية، تَبَعَاً لفجيعة الكون وَسَيِّدِهِ رسول الله (ص) بهذه المصيبة، حيث فُجِعَ باستشهاد سبطه الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه.
 
ومع الحضور الوجداني العظيم لعاشوراء عند آل محمد عليهم السلام، يُلاحَظ أنَّ هذه المناسبة قد ابتعدت عن طابعها الحزين عند بعض المسلمين، وتحولَّت في قسمٍ من التراث الإسلامي إلى يوم صيامٍ وبركة! بحجة أنه اليوم الذي التقت فيه بركات الأنبياء من آدم إلى موسى (ع)!
 
يعرضُ هذا البحث لجذور هذه المسألة، اعتماداً على دراسةٍ مقارنة تجمع بين ثلاثة محاور: الحساب الفلكي للتقاويم، والنصوص التوراتية، والروايات الإسلامية، ليؤكد أنَّ تحويل عاشوراء إلى يوم عيدٍ وبركةٍ ما هو إلا صناعةٌ متأخرةٌ أريد بها التغطية على الجرح الحسيني النازف، عبر استيراد مناسباتٍ يهوديةٍ ودمجها بطريقةٍ فلكيةٍ وتاريخيةٍ غير دقيقة.
 
أولاً: إشكالية التقاويم واختلاف التواريخ
 
يعيش المسلمون اليوم في سنة 1448 للهجرة، والنصارى في سنة 2026 للميلاد، بينما يعيش اليهود في العام 5786 بحسب تقويمهم العبري. ويعود هذا التباين إلى اختلافٍ جذريٍّ في هندسة الحساب الفلكي بين المنظومتين.
 
يعتمد التقويم اليهوديّ على نظام (قمري-شمسي) مركّب ودقيق، حيث تُحسب الأشهر بالقمر والسنوات بالشمس. ولكي يتوافق الفارق بين الحسابين (ونظراً لأنَّ السنة القمرية تقصر عن الشمسية بـ 11 يوماً تقريباً)، يعتمد اليهود على خوارزمية فلكية تُدعى (دورة ميتون Metonic cycle)، ويتم بموجبها (كبس) التقويم بإضافة شهرٍ كامل (يسمى آذار الثاني) 7 مرات في كل 19 سنة. هذا الكبس يجعل الشهور اليهودية ثابتةً في فصولها دائماً (فالفصح يقع حتماً في الربيع، والغفران في الخريف).
 
بالمقابل، فإن التقويم الإسلامي قمريٌّ خالصٌ ومتحركٌ يدور عبر الفصول الأربعة كل 33 سنة. وقد كان العرب قبل الإسلام يمارسون (النسيء) أي (كبس السنين) لتتوافق مواسمهم مع الفصول والتجارة، فلما نزل تحريمه الصريح في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، انفصل التقويم الإسلامي تماماً وصار حُرَّاً يدور، بينما احتفظ اليهود بنسيئهم وكبسهم.
 
وينتج عن هذا الافتراق بين التقويمين أن المناسبات اليهودية المرتبطة بالفصول تبقى ثابتةً زمنياً، بينما يدور العاشر من المحرم عبر السنة الشمسية كلها، مما يجعل افتراض التطابق السنوي الراتب بينهما ممتنعاً فلكياً وعقلياً، ولا يكفي فيه مجرد التشابه في اسم (العاشر) مثلاً.
 
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يربط حساب الفلك بالرواية التاريخية: إذا كانت مرويات الصحاح عند السنة تدعي (كما سيأتي) أنَّ النبي شرّع صيام عاشوراء فور وصوله المدينة لأنه وجد اليهود يصومون، فمتى كان وقت هذا الوصول تاريخياً؟
 
تكشف المطابقة الحسابية معطىً بالغ الأهمية في تفسير أصل الالتباس؛ إذ يتبين أنَّ يوم وصول النبي (ص) إلى المدينة المنورة (قباء) كان في 12 ربيع الأول عام 1 هـ، وهو ما يوافق ميلادياً 23 سبتمبر 622م، وهو يطابق بدقة متناهية 10 تشريه العبري (Tishrei) سنة 4383 (يوم الغفران).
 
فإذا كان النبيُّ (ص) قد شاهد صياماً يهودياً فعلياً يُدعى بالعبرية (عاشور) في شهر ربيع الأول، فإنَّ إسقاط هذا التاريخ على (10 محرم) لم يكن إلا وهماً تقويمياً وقع فيه الرواة المتأخرون، حتى غدا كل (عاشور عبري) يُقرأ بوصفه (عاشوراء إسلامية).
 
وقد اعتمدنا لأجل المطابقة والتحويل الرقمي بين التقاويم الثلاثة على خوارزميات الحساب الفلكي للتقاويم التاريخية عبر المحرك الفلكي العالمي (Fourmilab Calendar Converter)، ومنصة ضبط التقويم العبري الاصطلاحي (Hebcal)، والتي يمكن الرجوع إليها عبر شبكة الانترنت.
 
ثانياً: تفكيك الرواية السنية ومفارقة الصوم والبهجة
 
تنطلق الرواية الرسمية الواردة في الصَّحاح من تعليلٍ صريح لصيام يوم عاشوراء؛ إذ تذكر مرويات البخاري ومسلم أن النبي (ص) حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوماً، فلما سأل عن ذلك قالوا: «هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، نَجَّى الله فِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى»، فقال (ص): «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه (صحيح البخاري الحديث 2004).
 
وهنا تبرز مفارقةٌ موضوعيةٌ حادة عند وضع هذا التعليل تحت مجهر التشريع والفقه اليهودي؛ حيث يتكشف لنا خلطٌ بنيويٌ واضحٌ بين مناسبتين وَعِيدَين مستقلين تماماً في الفكر اليهودي:
 
أولاً: عيد الفصح (بيسح): وهو العيد المرتبط تاريخياً وعقائدياً بنجاة نبي الله موسى (ع) والعبور ببني إسرائيل وخروجهم من مصر. لكنَّ المفارقة الشرعية الفادحة هنا هي أنَّ هذا العيد ليس يوم صيام، بل إنَّ الصيام فيه محرّمٌ ومنبوذٌ بنص التوراة (سفر الخروج الإصحاح 12)؛ إذ هو عيد ابتهاجٍ وفرحٍ ومأدبةٍ كبرى يُؤكل فيها الفطير واللحم المشوي.
 
ثانياً: عيد الغفران (كيبور): وهو اليوم العاشر من السنة العبرية (10 تشريه)، ويُمثّل يومَ الصيامِ الواجبِ والمقدسِ الوحيد عند اليهود. لكنَّ سبب هذا الصيام لا علاقة له بغرق فرعون أو نجاة موسى، بل هو يوم كفارةٍ وتذللٍ لطلب المغفرة عن خطيئة عبادة العجل الذهبي التي اقترفها بنو إسرائيل بعد غياب موسى (ع) للميقات.
 
بناءً على هذا التفكيك، يتضح أنَّ الرواية السنية وقعت في (فخ الدمج العشوائي) غير المبرَّر؛ حيث استعارت الطقس (الصيام) من عيد الغفران (لأن اسمه العبري "عاشور" يشابه لفظ عاشوراء)، واستعارت السبب والمناسبة (النجاة والعبور) من عيد الفصح، لتنتج مُرَكَّبَاً روائياً مضطرباً ينسب لليهود صيام يومٍ يُحرِّمُ فقهُهُم عليهم صومَه، ويوثق نجاةً تاريخية في غير موضعها الفصلي والتشريعي.
 
فتكون خلاصة المقارنة:
 
- يوم الغفران: يقع في 10 تشريه، وهو يوم صيامٍ وتكفير.
- عيد الفصح: يقع في نيسان، وهو عيد نجاةٍ وفرحٍ ويحرم فيه الصيام.
- عاشوراء الإسلامي: يقع في 10 محرم ويدور عبر الفصول كلها.
ومن هنا نشأ الخلط بين طقس يوم الغفران ومناسبة عيد الفصح بسبب التشابه اللفظي في (العاشر).
 
واللافت أنَّ المنظومة الإخبارية العاميَّة قد وقعت في تناقضٍ داخلي؛ فبينما يروي ابن عباس أنَّ صيام عاشوراء بدأ في المدينة تفاعلاً مع اليهود، تروي عائشة أنَّ قريشاً كانت تصومه في الجاهلية بمكة، وأنَّ رسول الله (ص) كان يصومه أيضاً! (روى البخاري أيضاً خبر عائشة تحت الرقم 2002).
 
هذا التعارض بحدِّ ذاته يؤكد اضطراب الرواية، إذ كيف يكون الصيام طقساً جاهلياً مكيّاً معروفاً للنبي، ثم يظهر في الرواية الأخرى كأنه اكتشافٌ مفاجئ عرَف سببه من يهود المدينة؟! ولا يفصل البخاري بينهما سوى بحديثٍ واحد!
 
ثالثاً: الاستدلال بنصوص التوراة على الخلط الإخباري
 
لتوثيق هذا الخلط البنيويّ، نعود إلى النص التوراتي المتداول لدى اليهود، لنقف على مواضع ذِكر (اليوم العاشر) وكيف تصحّف معناه عند العامَّة، نتيجة التشابه اللفظي الصوتي؛ إذ تستخدم التوراة باللغة العبرية لفظ "عاشور" (عاصور עָשׂוֹר) للدلالة على اليوم العاشر من الشهر.
 
وقد ورد هذا اللفظ في موضعين مستقلين يفسران أصل الالتباس:
 
الموضع الأول (أصل طقس الصيام): جاء في سفر اللاويين:
 
«وَيَكُونُ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً، أَنَّكُمْ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ، فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ (عاشور) تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَكُلَّ عَمَل لاَ تَعْمَلُونَ» (اللاويين16: 29).
 
هذا النص هو التشريع الإلهي لـ (يوم كيبور - عيد الغفران)، وعبارة (تذليل النفوس) تعني فقهياً الصوم والانقطاع التام. فالصوم هنا مرتبطٌ بالشهر السابع العبري (تشريه) وبخطيئة العجل، ولا علاقة له بموسى والنجاة.
 
الموضع الثاني (أصل مناسبة النجاة): جاء في سفر الخروج في سياق الخروج من مصر والنجاة من فرعون:
 
«هذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَأْسَ الشُّهُورِ... فِي العَاشِرِ مِنْ هذَا الشَّهْرِ يَأْخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً... وَيَكُونُ عِنْدَكُمْ تَحْتَ الحِفْظِ إِلَى اليَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ فِي العَشِيَّةِ... وَيَأْكُلُونَ اللَّحْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَشْوِيًّا بِالنَّارِ مَعَ فَطِيرٍ» (الخروج12: 2-8).
 
هذا الموضع يخص (عيد الفصح - النجاة)، واليوم العاشر هنا يقع في الشهر الأول (نيسان) وليس السابع، وهو ليس يوم صيام بل هو يوم (إعداد واختيار ذبيحة الفصح) التي تُذبح وتُؤكل فرحاً في اليوم الرابع عشر والخامس عشر.
 
وبناءً على ما تقدم، يثبت وجود خلطٍ لغويٍّ وتشريعيٍّ بين مناسبتين يهوديتين مختلفتين. ويبدو أن هذا الخلط شكّل أرضيةً مناسبةً لظهور رواياتٍ مدسوسةٍ استغلت ثغرةً لغويةً وتشابُهَاً صوتياً جاهزاً بين الكلمات والمصطلحات، فنسبت إلى عاشوراء أحداثاً لا تنتمي إلى سياق واحد، ثم وجدت هذه الروايات ماكينةً إعلاميةً توظفها لتقديم هذا اليوم بوصفه يوم بركةٍ وفرح، في مقابل الزخم العاطفيّ الحزين لفجيعة كربلاء.
 
رابعاً: الموقف الروائي الشيعي
 
بعد تفكيك الجذور الفلكية وبيان النصوص التوراتية، يأتي التراث الروائي التحليلي لمدرسة أهل البيت (ع) ليجلي الأمر بشكلٍ حاسم، ويكشف عن آلية الصياغة السياسية والإعلامية التي حاولت تحويل يوم الفجيعة الكبرى إلى يوم بركةٍ وعيد.
 
1. وثيقة ميثم التمار: التفكيك الاستشرافي المبكر
 
تُمثّل الرواية التي أوردها الشيخ الصدوق في أماليه عن جبلة المكية عن ميثم التمار (قده) وثيقةً تاريخيةً بالغة الأهمية؛ كونها تستند إلى المأثور عن أمير المؤمنين (ع) باب مدينة علم الرسول، ولا تقف عند حدود الإخبار الغيبي بمقتل الإمام الحسين (ع)، بل تفكِّك الأحاديث التي ستُصنع مستقبلاً لشرعنة التبرك بهذا اليوم.
 
فقد كشف ميثم عن عهد أمير المؤمنين عليه السلام له في الحسين عليه السلام: «والله لَتَقْتُلَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ ابْنَ نَبِيِّهَا فِي المُحَرَّمِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، وَلَيَتَّخِذَنَّ أَعْدَاءُ الله ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ بَرَكَةٍ! وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ، قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ».
 
ثمَّ يبيِّنُ ميثم وجه ذلك بقوله:
«سَيَزْعُمُونَ بِحَدِيثٍ يَضَعُونَهُ أَنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي تَابَ الله فِيهِ عَلَى آدَمَ... وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي فَلَقَ الله فِيهِ البَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ...» (أمالي الصدوق ص127).
 
اللافت في محاكمة ميثم التمار العلمية المستندة إلى منبع الوحي أنه ردّ الدعاوى بردودٍ ميقاتيةٍ وتقويميةٍ دقيقةٍ تطابق التفكيك الفلكي؛ فأوضح أن توبة آدم كانت في ذي الحجة، وخروج يونس في ذي القعدة، واستواء السفينة في 18 ذي الحجة، وفلق البحر لبني إسرائيل كان في شهر ربيع الأول (وهو زمن دخول النبي للمدينة تاريخياً).
 
هذا التكذيب الصريح يثبت أنَّ مدرسة أهل البيت (ع) كانت ترى في أحاديث بركات عاشوراء صناعة أمويةً متأخرةً للتغطية على الجريمة.
 
2. حديث المناجاة: المعادلة الأموية والرمزية الموسوية
 
لم تقف مدرسة أهل البيت (ع) عند حدود كشف التزييف، بل نزعت من الماكينة الأموية أهم أوراقها التبريرية، وهي محاولة الاحتماء خلف نبي الله موسى (ع) وتشريعه.
 
إذ يروي الشيخ الطريحي في سياق حديث مناجاة موسى (ع) مع ربه وسؤاله عن سبب تفضيل أمة محمد (ص)، قول الله تعالى بأنَّها فُضِّلَت لعشرٍ خصال منها (العاشوراء)، وحين سأل موسى مستفهماً راغباً أن يأمر بني إسرائيل بعمل ذلك: «يَا رَبِّ وَمَا العَاشُورَاءُ؟»، جاءه الجواب الإلهي حاسماً لطبيعة هذا اليوم وهويته التعبّدية: «البُكَاءُ وَالتَّبَاكِي عَلَى سِبْطِ مُحَمَّدٍ (ص)، وَالمَرْثِيَةُ وَالعَزَاءُ عَلَى مُصِيبَةِ وُلْدِ المُصْطَفَى.. وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ سَالَ دَمْعُ عَيْنَيْهِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَغَيْرِهِ قَطْرَةً وَاحِدَةً إِلَّا وَكَتَبْتُ لَهُ أَجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ» (مجمع البحرين ج3 ص406).
 
وهو ينقض الرواية الرسمية التي تدعي أنَّ أمة محمد صامت عاشوراء تبعاً لموسى (ع) الذي صامه فرحاً بنجاته، لأنَّ موسى وبنو إسرائيل مأمورون بالتفاعل مع عاشوراء بوصفه يوم حزنٍ وعزاءٍ وبكاء على الحسين (ع)، لا يوم حبورٍ وزينة.
 
وتكشف الرواية عن حجم المفارقة التاريخية المؤلمة؛ ففي الوقت الذي يتلقى فيه الأنبياء المتقدمون (كموسى) الأمر الإلهي بالبكاء وإقامة العزاء مواساةً لسبط المصطفى، تعمد فئةٌ من هذه الأمة إلى قلب هذا الطقس الكوني الحزين إلى مهرجان للفرح والسرور، في تضادٍّ صارخ مع الوعي الرساليِّ الممتد عبر تاريخ الأنبياء.
 
3. رواية كثير النواء: اختراق المنظومة وحمل التقية
على الطرف المقابل، أورد الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام روايةً ظاهرها إثبات تلك البركات الأموية المدّعاة (استواء السفينة، توبة آدم، فلق البحر، ولادة إبراهيم وعيسى). إلا أن الفحص الرجالي والتحليلي لهذه الرواية يسقط حجيتها بناءً على أمرين:
 
- الخلل السندي: تمر الرواية عبر (كثير النَّوَّاء)، وهو من رؤوس البترية (جناح من الزيدية يميل لمدرسة الخلافة) وهو رجل ضُعِّف عند رجال الشيعة ومحسوبٌ على خط العامة.
 
- الظرف الموضوعي (التقية): حُملت الرواية في الفقه الشيعي غالباً على التقية ومجاراة مرويات العامَّة، كما نصَّ على ذلك جملةٌ من الأعلام، منهم المجلسي وغيره (ملاذ الأخيار ج7 ص117).
 
وأمَّا ما روي من استحباب صوم يوم العاشر فهو محمولٌ على صوم الإمساك حُزناً وجزعاً على الحسين عليه السلام، لا تبرُّكاً وسعادةً كما يفعل بعض المخالفين.
 
خاتمة البحث
 
ينتهي هذا البحث المقارن (الفلكي، التوراتي، والحديثي) إلى صياغة النتائج التالية:
 
- فلكياً ونصيّاً: يكشف اختلاف هندسة التقويمين (القمري الحر والقمري-الشمسي العبري)، بالتوازي مع استعمال لفظ "عاشور" للدلالة على اليوم العاشر، عن الدليل العلمي لخلطٍ تاريخيٍّ بنيويٍّ وقع فيه الرواة؛ إذ دمجوا طقس الصيام (المستعار من يوم الغفران في الخريف) بمناسبة النجاة (المستعارة من عيد الفصح في الربيع). هذا التداخل الذي ترفضه البنية التشريعية والزمنية اليهودية نفسها، يُسقط قطعيّاً أصل التطابق المزعوم، ويُبطل دعوى التزامن التاريخي بين تلك الحوادث وبين العاشر من المحرم.
 
- حديثياً ومذهبياً: يتطابق هذا التفكيك العلمي بدقةٍ مذهلة، مع التحذير الاستشرافي المبكر المأثور عن مدرسة أهل البيت (ع) -كأثر ميثم التمار- مؤكداً أن تسويق صيام عاشوراء بوصفه (يوم بركةٍ وسُنّة) لم يكن إلا صناعةً حديثيةً وظّفتها الماكينة الإعلامية الأموية. في حين ظل الموقف الفقهي المستقر لآل محمد هو الإمساك حزناً ومواساةً، لا صوم تشريعٍ وبركة.
 
وبذلك، تلتقي حقائق العلم مع نصوص المعصومين، لترفع الغطاء عن التاريخ المزيَّف، وترسخ حقيقة هذا اليوم ومظلوميته النازفة في ضمير التاريخ الإسلامي.
 
عظم الله أجورنا وأجوركم، وجعلنا ممَّن يدرك عظم الفاجعة فيه.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
 
الثلاثاء السابع من محرم الحرام 1448 هـ، الموافق لـ 23 – 6 – 2026 م
من جوار أمير المؤمنين عليه السلام

صوم_عاشوراء.jpg