(1)
ما إن يجد هلالُ المحرمِ طريقَهُ إلى السماءِ، حتى يبدوَ الكونُ بأسرِهِ وكأنّهُ يستعدُّ لموعدٍ مهيبٍ تنتظرُهُ الخليقةُ منذُ عامٍ، فتتسارعُ الأزمنةُ نحوَ أيّامِهِ، وتنتظمُ الكواكبُ في أفلاكها كأنَّها تتهيأ لمشهدٍ عظيمٍ، بينما تتأهّبُ ملائكةُ الرحمنِ لاستقبالِ موسمٍ ليسَ كسائرِ المواسمِ، موسمٍ ارتدى فيه الحزنُ قدسيتَهُ، واكتسى فيه الوجعُ ثوبَ الخلودِ...
ها قد أقبلَ المحرمُ، الشهرُ الذي ما إن يطرقُ أبوابَ الزمنِ حتى تستيقظَ جراحُ كربلاء من سباتها، وتنهضَ الذكرياتُ من بينِ ركامِ القرونِ، كأنَّ السيوفَ لم تُغمدْ بعدُ، وكأنَّ صهيلَ الخيلِ ما زالَ يدوي في طفوفِ نينوى، وكأنَّ دمَ الحسين (عليه السلام) ما زالَ طرياً على رمالِ كربلاء…
إنَّها أيامٌ لا تمرُّ على القلوبِ مرورَ الزمنِ، بل تمرُّ عليها مرورَ المصيبةِ، أيامٌ تتّكئ على الحزنِ، وتتوشحُ بالسوادِ، ولهيبُ الحزنِ لا تخمدُ جذوتُهُ، وتُستحضرُ الفاجعةُ التي لم تكن حدثاً عابراً في صفحاتِ التاريخِ، بل كانَتْ زلزالاً هزَّ ضميرَ الإنسانيةِ، ورجةً ارتجفَ لها الوجودُ بأسرِهِ، وكأنَّ السماءَ والأرضَ قد تعاهدتا منذ ذلك اليومِ على أن تحييا ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) معاً...
فهناكَ في الملكوتِ ترفعُ الملائكةُ راياتِ الحدادِ، وتبكي سبطَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، وتستذكرُ المأساةَ التي مزّقَتْ قلبَ النبوّةِ، ويروى أنَّها تنشرُ قميصَ الإمام الحسين (عليه السلام) المضمخَ بدمائِهِ الطاهرةِ، شاهداً خالداً على أعظمِ مظلوميةٍ عرفتها الأرضُ، وبرهاناً لا يشيخُ على حجمِ الفاجعةِ التي سقطَ فيها ابنُ بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عطشاناً بينَ الرمالِ...
وفي الأرضِ، تبدأ القلوبُ رحلتها نحو كربلاء قبلَ الأقدامِ، تشدُّ الأرواحُ رحالها إلى حيث يرقدُ سيد الشهداء، وتتّجهُ الأبصارُ إلى القبةِ الشريفةِ مترقبةً ذلك المشهدَ الذي يختصرُ قصةَ الحزنِ كلها، حين تطوى الرايةُ الحمراءُ، وترتفعُ رايةُ السوادِ، فتتنهّدُ القلوبُ كأنَّها تسمعُ نداءَ العزاءِ يتردّدُ في أرجاءِ العالمِ:
لقد أقبلَ موسمُ الحزنِ والبكاءِ…
عندها لا يتبدّلُ لونُ الرايةِ فحسب، بل يتبدّلُ وجهُ العالمِ كله، فتكتسي المدنُ بالسوادِ، وتغدو الشوارعُ مواكبَ للوفاءِ، وتتحوّلُ البيوتُ إلى محاريبَ للحزنِ، وتلبسُ القلوبُ قبلَ الأجسادِ ثيابَ العزاءِ… لا لأنَّ الزمنَ أعادَ الواقعةَ من جديدٍ، بل لأنَّ كربلاء لم تغادرِ الذاكرةَ يوماً، ولأنَّ الحسين (عليه السلام ) لم يصبح ذكرى تروى، بل قضيةٌ حيّةٌ تنبضُ في ضميرِ كلِّ حرٍّ وشريفٍ وموالٍ...
إنّهُ كرنفالٌ لا يشبهُ كرنفالاتِ الأرضِ، كرنفالٌ لا تضاءُ فيه الشموعُ للفرحِ، بل تشعلُ فيه القلوبُ مواجعها، ولا ترتفعُ فيه الأهازيجُ ابتهاجاً، بل تعلو فيه المراثي وفاءً، ولا تتزيّنُ فيه الطرقاتُ بالألوانِ، بل تتوشّحُ براياتِ الحزنِ التي ترفرفُ فوقَ الرؤوسِ كما ترفرفُ في الأرواحُ…
كرنفالٌ تشاركُ فيه السماءُ بدموعِ ملائكتها، وتشاركُ فيه الأرضُ بأنينِ محبيها...
كرنفالٌ تلتقي فيه دموعُ المحبّين بنداءاتِ الثكالى، وتتعانقُ فيه الراياتُ السودُ مع الدعواتِ الصاعدةِ نحو السماءِ، تحتَ رايةٍ واحدةٍ لا يبهتُ نورها ولا يخبو معناها، تحتَ نداء:
لبيك يا حسين…
فإذا كانَتِ الأممُ تحيي انتصاراتها كلَّ عامٍ، فإنَّ أمةَ الحسين تحيي تضحيتَهُ كلَّ حينٍ، وإذا كانَتِ الشعوبُ تتذكّرُ أمجادها، فإنَّ المحبينَ يتذكرونَ الموقفَ الذي انتصرَ فيه الدمُ على السيفِ، والحقُّ على الباطلِ، والخلودُ على الموتِ...
ولذلك سيبقى المحرمُ موسماً استثنائياً في ذاكرةِ الكونِ، وسيبقى الحزنُ على الحسينِ لغةً تفهمها السماءُ كما تفهمها الأرضُ، وميثاقَ وفاءٍ يتجدّدُ كلَّ عامٍ بينَ القلوبِ وبين كربلاء، فما دامَتِ الشمسُ تشرقُ على هذه الدُّنيا، سيبقى هناك قلبٌ يبكي الحسين، وستبقى كربلاء تنادي الأحرارَ جيلاً بعد جيلٍ، وستبقى السماءُ والأرضُ تقيمانِ معاً كرنفالَ الحزنِ الخالدِ على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)...
(2)
ما إن يلوحُ هلالُ المحرمِ في أفقِ الزمانِ، حتى ترتجفَ أوتارُ الذاكرةِ، وتنهضَ كربلاءُ من بينِ صفحاتِ التاريخِ حيةً نابضةً بالحزنِ والخلودِ، وكأنَّ الكونَ بأسرِهِ يقفُ على أعتابِ موعدٍ مهيبٍ ينتظرُهُ منذُ عامٍ، فتتهيأُ السماواتُ لطقوسِ الأسى، وتستعدُّ الأرضُ لاستقبالِ موسمِ الوفاءِ الأكبرِ، هناكَ في فضاءاتِ الملكوتِ، تتوشّحُ الملائكةُ بأرديةِ الحزنِ، وتنتظمُ في مواكبَ من نورٍ، وهي تستذكرُ الفاجعةَ التي هزَّتْ أركانَ الوجودِ، ويروى أنَّها تنشرُ قميصَ الحسين (عليه السلام)، مخضّباً بدمائِهِ الزكيةِ، ليبقى شاهداً خالداً على أعظمِ مظلوميةٍ عرفتها الإنسانيّةُ، ودليلاً لا يغيبُ على أنّ للحقِّ ثمناً دفعَهُ سبطُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بدمِهِ الطاهرِ، فوقَ رمضاءِ كربلاء. وفي الأرضِ تشدُّ القلوبُ رحالَها قبلَ الأجسادِ، وتهاجرُ الأرواحُ صوبَ الطفوفِ، حيث يلتقي الشوقُ بالحزنِ، والولاءُ بالدمعةِ، وتتّجهُ الأبصارُ نحوَ القبةِ الشريفةِ، مترقبةً ذلك المشهدَ الذي يعلنُ انبعاثَ موسمِ العزاءِ، حينَ تُطوى رايةُ الثأرِ الحمراء، لترتفعَ رايةُ الحدادِ السوداء، وكأنّ كربلاءَ تعلنُ للعالمِ من جديدٍ أن جرحَ الحُسين ما زالَ نازفاً في ضمائرِ الأحرارِ… فتكتسي المدنُ بالسوادِ، وتتوشّحُ الطرقاتُ والبيوتُ براياتِ المصابِ، وتنبضُ المآذنُ والحسينياتُ بذكرِ الحسين، وتولدُ المواكبُ من رحمِ الحزنِ، حاملةً على أكتافها إرثاً من الدموعِ والولاءِ والحبِّ. إنّهُ ليسَ موسماً عابراً من مواسمِ الذكرى، بل كرنفالٌ مهيبٌ تتعانقُ فيه السماءُ والأرضُ تحتَ لواءِ الحسين... كرنفالٌ تسافرُ فيه المقلُ نحوَ أرضِ الأحرارِ، لنغرسَ في ثراها أوتادَ الوفاءِ، ونثبتَ للعالمِ أن الحسينَ (عليه السلام) لم يكن ذكرى تروى، بل قضيةٌ تعاشُ، ونهجٌ يحتذى، ومشعلٌ لا تنطفئ أنوارُهُ مهما تعاقبتِ السنونَ. وفي كلّ موكبٍ يسيرُ، وفي كلِّ دمعةٍ تنحدرُ، وفي كلِّ رايةٍ تخفقُ فوقَ الرؤوسِ، يتجدّدُ العهدُ مع كربلاء، وتنبعثُ رسالةُ عاشوراء من جديدٍ، رسالةُ الإصلاحِ، والعزةِ، والإباءِ، ورفضِ الذلِّ والخضوعِ… فالحسين (عليه السلام) لم يورثْ محبيه حزناً فحسب، بل أورثهم كرامةً تتحدّى الانكسارَ، وعقيدةً تتجاوزُ حدودَ الزمنِ، وثورةً لا تعرفُ القنوطَ أبداً… وهكذا يبقى المحرمُ موعداً سنوياً بينَ السماءِ والأرضِ، تتلاقى فيه دموعُ الملائكةِ مع دموعِ المؤمنين، وتتعانقُ فيه راياتُ الحدادِ مع راياتِ الولاءِ، ليظلَّ الكونُ كلّهُ مشاركاً في كرنفالِ الحزنِ الخالدِ على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)...
(3)
الجسدُ الذي أبكى السماءَ والأرضَ... أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعلُ عاشوراءَ تعودُ كلَّ عامٍ فتوقظُ في القلوبِ أحزاناً كأنَّها لم تذق طعمَ السكونِ قط؟ وأيُّ جرحٍ ذاك الذي كلما مرَّتْ عليه القرونُ ازدادَ اتّساعاً، حتى غدا الزمنُ نفسُهُ عاجزاً عن تضميدِهِ؟ لعلَّ السرَّ كلّه يكمنُ هناك… في تلك اللحظةِ التي سكتَتْ فيها ضوضاءُ السيوفِ، وخمدَ صهيلُ الخيلِ، وانقشعَ غبارُ المعركةِ عن مشهدٍ لو وزّعَ وجعُهُ على الدُّنيا لأثقلها... هناك حيثُ كانَتْ كربلاء واقفةً على أطرافِ الفاجعةِ، وحيث كانَتِ الشمسُ تنظرُ إلى الأرضِ خجلى من متابعةِ المشهدِ، وحيث كانَ الترابُ يحتضنُ أعظمَ أمانةً عرفتها السماءُ والأرضُ… لقد أضحى جسدُ الحسين (عليه السلام) وحيداً فوقَ الرمضاءِ، جسدُ ريحانةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)... الجسدُ الذي حملَهُ النبي يوماً بينَ ذراعيه، وأطالَ النظرَ إليه حتى حفظَتْ المحبةُ ملامحَهُ في قلبِ الرسالةِ... جسدُ ذلك النورِ الذي كانَ كلما دخلَ على جدّهِ تهلّلَتْ له ملامحُ النبوّةِ، وإذا اعتلى كتفيه ازدادَ المنبرُ شرفاً، وإذا ابتسمَ أزهرَتْ في وجه الحياةِ معاني الرحمةِ… ذلك الجسدُ نفسُهُ بات مفترشاً الرمالَ، لا ظلَّ يؤويه، ولا ذراعَ تمتدُّ إليه، ولا صدرَ يضمُّهُ كما كانَ يفعلُ جدّهُ المصطفى… كأنَّ الدنيا بأسرها قد تراجعَتْ خطوةً إلى الوراءِ، وتركَتهُ يواجهُ وحدَهُ قسوةَ اللحظةِ... كانَتِ الرياحُ تمرُّ على جسدِهِ الشريفِ كأنَّها تبكي، وكانَتِ الرمالُ تتشبّثُ بدمائِهِ الزكيةِ كأنَّها تأبى أن تفارقها، وكانَتِ السماءُ مُطرِقةً فوقَهُ في ذهولٍ يشبهُ الحدادَ... أما الأرضُ… فكأنَّها لم تعد أرضاً منذُ أن استقبلَتْ ذلك الجسدَ الطاهرَ بينَ ذراعيها… أيُّ مصابٍ هذا؟ وأيُّ قلبٍ يحتملُ أن يتخيلَ سبطَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيدَ شبابِ أهلِ الجنةِ، وحبيب فاطمة وعلي (عليهما السلام)، مُلقىً على الثرى وقد أثخنَتْهُ الجراحُ، وتفرّقَتْ على جسدِهِ آثارُ السيوفِ والرماحِ والنبالِ؟ وكأنَّ المأساةَ لم تكتفِ بأن تسفكَ دمَهُ، بل أرادَتْ أن تكتبَ على صفحاتِ الخلودِ آخرَ فصولِ الظلمِ بأقسى حروفِهِ، فلم يكنِ الحسين (عليه السلام) يومها رجلاً قتلَ في معركةٍ، كانَ الرسالةَ حينَ تحاصرُ، وكانَ الحقَّ حين يذبحُ، وكانَ الكرامةَ حين تُتركُ وحيدةً في مواجهةِ الطغيانِ… لهذا لم يكنِ الجسدُ الملقى على الرمالِ جسداً فحسب، بل كانَ تاريخاً بأكملِهِ ينزفُ، وكانَ ضميرُ الإنسانيةِ يختبرُ نفسَهُ أمامَ أعظمِ امتحانٍ، وكانَتِ السماءُ تتعلّمُ كيفَ تبكي... ومنذُ ذلك اليومِ، لم تعُدْ كربلاء بقعةً من الأرضِ، بل صارَتْ قلباً نابضاً بالحزنِ، وصارَتِ الرمالُ سجلًّا تحفظُ فيه الأجيالُ حكايةَ الدمِ الطاهرِ، وصارَتِ الرياحُ رسولاً يحملُ أنينَ الطفوفِ من قرنٍ إلى قرنٍ... ولعلَّ أكثرَ ما يوجعُ الروحَ أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يبق وحيداً في تلك الساعةِ فحسب، بل بقيَتْ وحدتُهُ تسافرُ عبرَ الزمنِ، حتى جاءَتْ ملايينُ القلوبِ بعدَ قرونٍ طويلةٍ لتقفَ عندَ قبرِهِ وتقولُ: لبيك يا حسين… تأخرنا عن نصرتِكَ يوم عاشوراء، لكننا ما تأخرنا عن حبِّكَ... وتأخرنا عن الدفاعِ عن جسدِكَ فوقَ الرمالِ، لكننا حملنا وجعَك في أرواحنا جيلاً بعدَ جيلٍ... ولهذا كلما أقبلَ المحرمُ، لا تعودُ الذكرى وحدها، بل يعودُ ذلك المشهدُ، مشهدُ الجسدِ الذي افترشَ الثرى والتحفَ السماءَ، مشهدُ الدمِ الذي علّمَ الأحرارَ معنى الخلودِ، مشهدُ الحسين (عليه السلام) الذي أرادوا أن يبقى وحيداً في الصحراء، فجعلَهُ الله (تعالى) وطناً تسكنُهُ القلوبُ إلى آخر الزمانِ... فما أعظمها من فاجعةٍ! وما أعظمَهُ من جسدٍ ما زالَ -بعد ما يقاربُ أربعة عشر قرناً- يعلّمُ الدُّنيا كيف يكون الثباتُ، وكيف يكونُ الفداءُ، وكيفَ ينتصرُ الدمُ على السيفِ، والحقُّ على الباطلِ، والخلودُ على الموتِ.
(4)
حين تلاشَتِ الذاتُ في حبِّ الحسين (عليه السلام) ليسَتْ كلُّ الشهاداتِ موتاً، فثمة أرواحٌ تبلغُ من الصفاءِ مبلغاً تصبحُ معه الشهادةُ ميلاداً آخرَ، وتغدو الجراحُ أجنحةً تعبرُ بها إلى أفقِ الخلودِ، هكذا كانَ أبو الفضل العباس (عليه السلام(... لم يكن فارساً حملَ سيفاً في يوم عاشوراء فحسب، بل كانَ قصيدةً من الوفاءِ كتبتها السماءُ بمدادِ الإيمانِ، ثم أودعتها أرضَ الطفِّ لتبقى تتردّدُ أصداؤها ما دامَتِ القلوبُ تعرفُ معنى الوفاءِ الصادقِ. في كربلاء… حيث كانَتِ الشمسُ تصهرُ الرمالَ بحرارتها، وكانَتِ الأرواحُ تتسابقُ نحو الله (تعالى)، وقفَ أبو الفضل (عليه السلام) كالنخلةِ التي تعانقُ السماءَ ولا تنحني للعواصفِ، يحملُ بينَ أضلاعِهِ قلباً لم يسكنْهُ سوى الحسين (عليه السلام)... وإذ ضاقَتِ الأرضُ بأهلها، واشتدَّ الظمأ بأطفالِ الرسالةِ، وراحَتِ الخيامُ تتنفسُ العطشَ أنيناً موجعاً، خرجَ العباسُ (عليه السلام) نحو الفرات بقربتِهِ، لكنَّهُ لم يكن يسيرُ إلى الماءِ، بل كانَ يسيرُ إلى قدرِهِ، وكانَتِ الشهادةُ تمشي إلى جوارِهِ خطوةً بخطوةٍ، يخيلُ إليها أنها تحرسُهُ، ولا تعلمُ أنَّ مقاليدَ الكفالةِ تأبى فراقَهُ، فكانَ حارسها ومنتظرها والمقبلَ عليها، كما يمشي المحبُّ إلى موعدِهِ الأخير... وحين لاحَتْ له صفحةُ الفراتِ، وأخذَ الماءُ يلمعُ تحتَ أشعةِ الشمسِ كأنَّهُ وعدٌ بالحياةِ، انحنى عليه وكانَ العطشُ قد نحتَ أخاديدَهُ في الجسدِ الشريفِ، وكانَتْ حرارةُ الطفِّ قد أضرمَتْ في أحشائِهِ لهيباً لا يطاقُ، وكانَ الماءُ أقربَ إليه من نبضِ قلبِهِ، لكنَّ ذلك كانَ عندَ الحدِّ الفاصلِ بينَ الحاجةِ والوفاءِ... حينها تجلّتْ عظمةُ العباس؛ فلم يرَ الماءَ، بل رأى شفاهَ الحسين اليابسةَ، ورأى سكينةَ ورُقيةَ والأطفالَ وهم يتقلبونَ على جمرِ الظمأ، ولظى حرارةِ العطشِ، فاستحالَتْ أمواجُ الفراتِ في عينيه إلى أسئلةٍ من الوفاءِ، وكأنَّ الماءَ نفسَهُ كانَ يخجلُ من نفسِهِ أمامَ عطشِ الحسين، فهتفَ من أعماقِ روحِهِ: يا نفسُ من بعد الحسين هوني… أيُّ وجدانٍ هذا؟ وأيُّ وفاءٍ ذاك الذي يجعلُ الإنسانَ ينسى جراحَهُ وعطشَهُ ووجودَهُ كلّهُ؟ لقد كَانَتْ تلك الكلماتُ إعلاناً عن فناءِ الذاتِ في المحبوبِ، لم يعد العباس يرى نفسَهُ، ولم يعد يرى بقاءَهُ، ولم يعد للحياةِ في قاموسِهِ معنى إذا غابَ عنها الحسينُ، كأنَّ روحَهُ كانَتْ قد علّقَتْ قناديلها على بابِ الحسين منذُ زمنٍ، فلم يعد لها وطنٌ سواه، وكأنَّ قلبَهُ أدركَ أن بعضَ الأرواحِ خلقَتْ لتكونَ ظلالاً للحقِّ، فإذا غابَ الحقُّ انطفأتِ الظلالُ… ولذلكَ لم تكن كربلاء بالنسبةِ للعباسِ معركةً بين سيفٍ وسيفٍ، بل كاَنتِ امتحاناً، وكانَ هو أعظمَ الناجحين فيه، وعندما هوَتْ يمينه على الثرى، لم تسقطِ الرايةُ من روحِهِ، وتبعتها يسارُهُ، لم تنطفئ جذوةُ اليقينِ في قلبِهِ، لأنَّ الذي كانَ يقاتلُ لم يكنِ الذراعَ... لا… بل العقيدةُ والمعرفةُ، ولأنَّ الذي كانَ يحملُ اللواءَ لم يكن الكفَّ، بل البصيرةُ، ولأنَّ الذي كان يقفُ في وجهِ الموتِ لم يكنِ الجسدَ، بل روحٌ عرفَتْ إمامَ زمانها حقَّ اليقينِ وأحبّتْهُ حتى صارَ حبّهُ يجري فيها مجرى الدمِ من العروقِ، فانطلقَتْ كلماتُهُ تشقُّ ضجيجَ السيوفِ:
والله إن قطعتم يميني إني أُحامي أبداً عن ديني...
لم تكن أرجوزةً عاديةً، ولم يكن يتحدّثُ بلسانِ رجلٍ ينزفُ، بل بلسانِ جبلٍ من اليقينِ، جبلٍ تهوي عليه السيوفُ فلا تفتكُ بعزمِهِ، وتتساقطُ عليه الرماحُ والنبالُ فلا تنالُ من شموخِهِ… لقد أدركَ العباس أنَّ الجسدَ زائلٌ، أما الموقفُ فباقٍ، وأنَّ الأعضاءَ قد تقطعُ، أما الوفاءُ فلا تصلُ إليه السيوفُ، وأنَّ الإنسانَ قد يسقطُ على الترابِ، لكن المبادئ العظيمةَ تظلُّ واقفةً ما دامَ هناك قلبٌ يؤمنُ بها، ولهذا لم يكن سقوطُ العباس على الثرى سقوطاً، بل كان ارتقاءً نحو أعنانِ السماءِ، ودماؤه التي سالَتْ على ضفافِ الفراتِ نزفاً لتكونَ أنهاراً من النورِ تروي ظمأ الأجيالِ بمعنى الوفاءِ والإخوةِ، ومنذُ ذلك اليومِ كلما ذُكرَ العباس لا تتذكرُ القلوبُ فارساً فقدَ ذراعيه فحسبُ، بل تتذكرُ روحاً تجاوزَتْ حدودَ الجسدِ، وروحاً أحرقَتِ "الأنا" وقالَتْ للدنيا كلها: إنَّ قيمةَ الحياةِ ليسَتْ في أن نعيشَ، بل في أن نعرفَ لمن نعيشُ! ولهذا بقي صوتُهُ يتردَدُ لكلِّ جيلٍ، كأنَّهُ خارجٌ من بين أمواجِ الفراتِ إلى يومنا هذا: يا نفسُ من بعد الحسينِ هوني… فما أعظمها من كلمة، اختصرَتْ سرَّ العباس كله، واختزلَتْ روحَ التفاني في كربلاء بأسرها، وأخبرَتِ العالمَ أنَّ الوفاءَ حين يبلغُ كمالَهُ، لا يبقى في القلبِ متّسعٌ للنفسِ، بل يبقى الحسين وحدَهُ يسكنُ القلوبَ والأرواحَ إلى أبدِ الآبدين.
(5)
حينَ ذُبحَتِ البراءةُ... في كربلاء لم تستهدفُ الأجسادُ وحدها، بل استهدفَتِ المعاني... ولم تُشهرِ السيوفُ في وجهِ الرجالِ فحسب، بل رفعَتْ في وجهِ الطفولةِ … فحينَ يبلغُ الظلمُ ذروتَهُ، لا يعودُ يميّزُ بينَ فارسٍ يحملُ السيفَ، ورضيعٍ لا يملكُ سوى أنفاسَهُ الواهنةَ... وهناكَ، في اليومِ الذي أثقلَتْ فيه الدماءُ وجهَ الأرضِ، واشتدَّ فيه الظمأ حتى تصدّعَتِ الشفاهُ الصغيرةُ من العطشِ، ارتفعَ بينَ يدي الحسين (عليه السلام) كائنٌ لم يعرفْ من الدُّنيا سوى حضنَ أُمِّهِ، ودفءَ صدرِ أبيه، وهديلَ الحياةِ في مهدٍ لم يكتملْ له العمرُ... كانَ عبد الله الرضيع (عليه السلام) زهرةً لم يكتملْ تفتُّحها، ونجمةً لم يمهلها الليلُ لتضيءَ، ونبضةً صغيرةً كانَتْ تستعدُّ لتتعلّمَ أولى حروفِ الحياةِ… لكن كربلاء شاءَتْ أن تكتبَهُ شهيداً قبلَ أن تكتبَهُ طفلاً ليلحقَ مع الركبِ الحسيني... فيا للعجبِ! أيُّ حربٍ تلك التي تخافُ من رضيعٍ؟ وأيُّ نصرٍ هذا الذي يبحثُ عن مجدِهِ في نحرِ طفلٍ؟ وأيُّ قلبٍ ذاك الذي رأى شفتيه اليابستينِ من العطشِ، فلم تهتزّ فيه ذرةُ رحمةٍ؟ لقد حملَهُ الحسين (عليه السلام) لا ليقاتلَ به، ولا ليفاخرَ، بل حملَهُ كما تحملُ الإنسانيّةُ آخرَ حججها أمامَ الجريمةِ، وكأنَّ الأرضَ كلها كانَتْ تختصرُ نفسها في ذلك المشهدِ... أبٌ يحملُ رضيعَهُ إلى قومٍ ينتسبونَ إلى الإسلامِ، وطفلٌ يفتحُ عينيه على العطشِ بدلَ اللبنِ، وقلبٌ أبويٌّ يمدُّ يديه مستصرخاً ما بقيَ من الرحمةِ في النفوسِ… لكن حينَ تموتُ الرحمةُ، يصبحُ السهمُ أبلغَ من الجوابِ... انطلقَ سهمُ الغدرِ... لا نحوَ عنقِ الرضيع وحدَهُ، بل نحو وجهِ الإنسانيةِ أجمعها... وانشقَّتِ السماءُ عن فاجعةٍ لم تألفها الأزمنةُ... فأيُّ مصابٍ هذا الذي جعلَ المهدَ يجاورُ الشهادةَ؟ وأيُّ وجعٍ ذاك الذي جعلَ أولَ الطريقِ إلى الحياةِ آخرَ الطريقِ إليها؟ هناك بينَ كفي الحسين (عليه السلام)، تفتّحَتِ المأساةُ على أوسعِ أبوابها، وغدا الدمُ الصغيرُ أكبرَ من أن تحتويَهُ الأرضُ برمّتِها، حتى أنَّ القلبَ يكادُ يتخيّلُ السماءَ وهي ترتجفُ من هولِ ما رأت من مصيبةٍ، فرفعَ الإمامُ الحسين (عليه السلام) دمَ رضيعِهِ نحو العُلا، وكأنَّ الأرضَ عجزَتْ عن حملِ المصابِ، وكأنَّ الفاجعةَ ارتقَتْ من حدودِ الوصفِ إلى مقامِ الشكوى بين يدي الله (تعالى)، فلم يكن ذلك الدمُ دماً عادياً، لا بل كانَ شهادةَ البراءةِ المذبوحةِ، وكانَ صرخةَ الطفولةِ التي خرقَتْ جدرانَ الزمنِ، وكانَ وثيقةَ إدانةٍ بقيَتْ معلقةً في وجهِ الإنسانيّةِ لا تنمحي. ومنذُ ذلكَ اليومِ لم يعُد عبد الله الرضيع مجرّدَ طفلٍ في ذاكرةِ كربلاء، بل صارَ سؤالاً يطاردُ الضمائرَ: أيُّ ذنبٍ اقترفَهُ رضيعٌ حتى يُذبحَ ظمآناً؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي ادّعوه وهم يوجّهونَ سهامهم إلى مهدٍ لم يعرف إلّا البكاءَ؟ قالوا: ما بالُ الحسين يحملُ الرضيعَ؟ لم يدركوا أنَّ الحسينَ (عليه السلام) لم يكن يحملُ طفلاً فقط، بل كانَ يحملُ آخرَ ما تبقّى من حجةِ السماءِ على أهلِ الأرضِ، وكانَ يحملُ براءةً أرادَ الله (تعالى) أن تبقى شاهدةً على قسوةِ القلوبِ حين تنفصلُ عن الحقِّ… نسوا أنَّ في كربلاء لم يكُنِ الرجالُ وحدهم قرابينَ للدينِ، بل حتى المهد كانَ له نصيبٌ من الفداءِ، وحتى الرضيع كانَ له سهمٌ في نصرةِ الرسالةِ، وحتى الشفاه التي جفّفها العطشُ كانَتْ تكتبُ بدمها صفحةً من الخلودِ، لذلك بقيَ عبد الله الرضيع (عليه السلام) أكبرَ من عمرِهِ، وأوسع من مهدِهِ، وأبقى من جسدِهِ الصغيرِ، لأنَّ بعضَ الأرواحِ لا تقاسُ بعددِ الأيّامِ التي عاشتها، بل بعظمةِ القضيةِ التي استشهدَتْ من أجلها. سلامٌ على الرضيعِ يومَ ارتجفَ العرشُ لمصابِهِ، ويومَ بكتِ الملائكةُ عطشَهُ، ويومَ ارتفعَ دمُهُ شاهداً على أنَّ البراءةَ نفسها قد ذبحَتْ في كربلاء… سلام عليه ما دامَتِ الأمهاتُ تبكي طفلَ الطفِّ، وما دامَ المحبونَ يرفعونَ أكفهم نحو السماءِ، متذكرين أن هناك رضيعاً لم يطلبْ من الدُّنيا سوى جرعةَ ماءٍ، فاستقبلَتْهُ السهامُ لتستقرَّ في نحرِهِ الشريفِ... غابَ عنهم أن كربلاء لم تكن ساحة حرب فحسب، بل كانت ميزاناً انقسمَتْ عندَهُ الإنسانيةُ إلى الأبدِ، ونسوا أن صغير آل محمد لم يقتل لأنّهُ رضيعٌ، بل قُتلَ لأنَّ الباطلَ حينَ يعجزُ عن مواجهةِ الحقِّ... يوجّهُ سهامَهُ إلى المهدِ.
(6)
حين انصهرَتِ الأرواحُ
لم تكن كربلاء يوماً ساحةً اصطّفَتْ فيها الأجسادُ خلفَ رايةٍ واحدةٍ فحسب، بل كانَتْ محكاً إلهيّاً انكشفَتْ عندَهُ حقائقُ النفوسِ، وتساقطَتْ فيه الأقنعةُ والألقابُ، وذابَتِ الفوارقُ التي طالما تفاخرَ بها البشرُ، حتى لم يبقَ في عاشوراءَ إلّا جوهرُ الإنسانِ العاري أمامَ الحقيقة.
هناكَ على الثرى الذي ارتوى بدماءِ الطاهرين، وبينَ خيامٍ كَانَتْ تستعدُّ لاحتضانِ الخلودِ، اجتمعَتْ ثُلةٌ لم يجمعها نسبٌ واحدٌ، ولا وطنٌ واحدٌ، ولا لونٌ واحدٌ، ولا طبقةٌ واحدةٌ، اجتمعَ الشيخُ الذي خطَّ الشيبُ رأسَهُ، والغلامُ الذي لم يكتملْ ربيعُ عمرِهِ، والسيدُ الذي نشأ في بيوتِ العزةِ، والعبدُ الذي أثقلَتِ الدُّنيا كتفيه بقيودها، والغني الذي تركَ وراءَهُ متاعَ الحياةِ، والفقيرُ الذي لم يكن يملكُ سوى قلبَهُ، والعربي الذي نشأ في فصاحةِ الصحراءِ، والأعجمي الذي اختلفَ لسانُهُ، لكنّ روحَهُ نطقَتْ بلغةٍ واحدةٍ...
كأنَّ القدرَ أرادَ أن يجمعَ عندَ الحسين (عليه السلام) خلاصةَ الإنسانيةِ كلها، لتقفَ أمامَ التاريخِ وتعلنَ أن طريقَ الحقِّ لا تصنعُهُ الأنسابُ، بل تصنعُهُ المواقفُ...
كانوا مختلفينَ في كلِّ شيءٍ إلا في الحسين (عليه السلام)، مختلفينَ في الأعمارِ، والهيئاتِ، واللغاتِ، والطبائعِ، والمساراتِ التي جاءَتْ بهم إلى كربلاء، لكنهم حين وقفوا تحتَ شمسِ عاشوراء، انصهرَتْ تلك الاختلافاتُ كما ينصهرُ الثلجُ في حضرةُ النورِ، وسقطَتِ المسمياتُ التي يتزاحمُ عليها الناسُ، فلم يعد أحدهم يُعرفُ بلونِهِ أو أصلِهِ أو جاهِهِ، بل صاروا جميعاً يعرفونَ بعنوانٍ واحدٍ: أنهم أنصارُ الحسين (عليه السلام)، وهل بعدَ هذا الشرفِ شرفٌ؟
كأنَّ الأرواحَ هناك قد خرجَتْ من أثوابها الأرضيةِ، وتطهّرَتْ من أثقالِ الدُّنيا، فلم يعُد يُرى منها إلا صفاؤها الأول، أرواحٌ أشرقَتْ عليها شمسُ الحسينِ، فذابَتْ فيها كما تذوبُ القطرةُ في البحرِ، حتى بدا وكأنَّهم قلبٌ واحدٌ يخفقُ في صدورٍ متعدّدةٍ، ونفسٌ واحدةٌ تتوزّعُ على أجسادٍ كثيرةٍ، وغايةٌ واحدةٌ تتجسّدُ في عيونِ الجميعِ...
ولهذا لم يكن الحسين (عليه السلام) ينظرُ إليهم بعينِ الفوارقِ التي يصنعها البشرُ، فجون مولى أبي ذر لم يكن عندَهُ عبداً أسودَ البشرةِ، بل روحٌ بيضاءُ غسلها الإيمانُ بماءِ اليقينِ، وحبيب بن مظاهر لم يكن شيخاً أثقلَتْهُ السنون، بل كان قلباً فتياً يركضُ نحوَ الشهادةِ بشوقِ المحبِّ إلى محبوبِهِ، والقاسمُ لم يكن غلاماً صغيراً، بل كان بدراً يتهيأ للغيابِ في أفقِ الخلودِ، وعلي الأكبر لم يكن ابن الحسين فحسب، بل صورةٌ من النبوّةِ تمشي على الأرضِ...
كانوا جميعاً سواءً في ميزانِ الفداءِ، متساوينَ في حضرةِ الحبِّ، متشابهين في الشوقِ إلى الله(تعالى)، وكأنَّ عاشوراء نزعَتْ عنهم الأسماءَ كلها، وألبستهم اسماً واحداً من نورٍ، وحين نقرأ كلماتهم، نشعرُ أنَّنا لا نقرأ حديثَ رجالٍ يستعدونَ للموتِ، بل نقرأ تراتيلَ أرواحٍ أبصرَتْ ما وراءَ الدُّنيا، فهذا زهير بن القين البجليّ رحمة الله عليه يقفُ بينَ يدي إمامِهِ، وقد تجاوزَ حدودَ الجسدِ والترابِ، ليقولَ: "وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ ثُمَّ نُشِرْتُ ثُمَّ قُتِلْتُ، حَتَّىٰ أُقْتَلَ هٰكَذَا أَلْفَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَىٰ يَدْفَعُ بِذٰلِكَ القَتْلِ عَنْ نَفْسِكَ، وَعَنْ أَنْفُسِ هٰؤُلَاءِ الفِتْيَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ". (1)
أيُّ يقينٍ هذا الذي يجعلُ الموتَ أمنيةً؟
وأيُّ نور هذا الذي يجعلُ العذابَ طريقاً إلى الفرحِ؟
إنَّها ليسَتْ كلماتٍ تقالُ، بل مقاماتٌ تعاشُ، ومنازلُ لا يبلغها إلّا من غسلَ قلبَهُ من الدُّنيا، وملأه بحبِّ الله (تعالى)...
ولهذا لم يكونوا يخوضونَ معركةً بالسيوفِ بقدرِ ما كانوا يعبرونَ نحو الخلودِ، كانَتِ السيوفُ تنزلُ على أجسادهم، بينما كانت أرواحهم تحلّقُ أعلى من جراحها، وكانَ الموتُ يقتربُ منهم، بينما كانَتِ الحياةُ الأبديةُ تفتحُ أبوابها لاستقبالهم، حتى بدا يوم عاشوراء كأنّهُ عرسٌ سماوي، زفَّتْ فيه الأرواحُ الطاهرةُ إلى مقاعدِ الصدقِ عندَ مليكٍ مقتدرٍ…
ومن هنا نفهمُ سرَّ خلودهم، فلم تخلّدهم كربلاء لأنهم قاتلوا فحسبُ، ولم تخلدهم لأنهم استشهدوا فقط، بل لأنهم بلغوا من الصفاءِ درجةً تلاشَتْ معها ذواتهم في سبيلِ المبدأ، فلم يعودوا يرونَ أنفسهم، بل كانوا يرونَ الحسين، ولا يرون الحسينَ إلّا طريقاً إلى الله (تعالى)..
وهكذا كلما أقبلَ المحرمُ، وارتفعَتِ الراياتُ السودُ، وسارَتِ المواكبُ نحوَ كربلاء، لا نستحضرُ أسماءَ أولئك الرجالِ فحسب، بل نستحضرُ أرواحاً ارتقَتْ فوقَ حدودِ الأرضِ، أرواحاً أثبتَتْ أنَّ الإنسانَ لا يقاسُ بأصلِهِ، ولا بمالِهِ، ولا بمكانتِهِ، بل بما يحملُهُ من صدقٍ حين يُدعى إلى الحقِّ، ففي كربلاء ذابَتِ الفوارقُ، وتساقطَتِ الألقابُ، وانطفأتِ الأسماءُ الصغيرةُ، وبقيَتْ شمسُ الحسين
مشرقةً في أرواحهم، وبقوا هم نجوماً تهتدي بها القلوبُ كلما أظلمت طرقُ الدُّنيا.
———
1-المفيد، الإرشاد، ج2، ص92
(7)
هوّن علي ما نزلَ بي… أنّهُ بعينِ الله تعالى...
ما بينَ الأرضِ والسماءِ لحظاتٌ تعجزُ اللغةُ عن احتوائها، وتضيقُ الحروفُ عن حملِ أوجاعها، وتبقى الأرواحُ واقفةً على أعتابها مبهوتةً أمامَ عظمةِ ما جرى فيها، ومن بينِ تلك اللحظاتِ جميعاً، تقفُ كربلاء وحيدةً كجبلٍ من الفواجعِ، يعلو فوقَ قممِ المصائبِ كلها، حتى لكأنَّ الحزنَ يومها استنفدَ ما في الوجودِ من معانيه، ثم انسكبَ دفعةً واحدةً على قلبِ الحسين (عليه السلام)...
حيثُ كَانَتِ الشمسُ تلفحُ الرمالَ المخضبةَ بالدمِ، وكانَتِ الرياحُ تمرُّ على الطفوفِ حاملةً أنينَ اليتامى، وآهاتِ الثكالى، وصدى الأرواحِ التي ارتقَتْ إلى بارئها مخضبةً بالحبِّ الإلهي، كانَ الإمامُ الحسين (عليه السلام) واقفاً بينَ ركامِ المصائبِ، وقد توالَتْ عليه الرزايا كما تتوالى أمواجُ البحرِ الهائجِ على سفينةٍ وحيدةٍ في ليلٍ دامسٍ بلا شاطئ…
فقدَ الأحبّةَ، وودّعَ الأنصارَ، وشيّعَ أبناءَهُ وإخوته وأهلَ بيتِهِ، واحداً بعدَ آخرَ حتى إذا ظنَّ الوجعُ أنَّهُ بلغَ منتهاه، أقبلَتِ الفاجعةُ التي لم تعرفِ الإنسانيّةُ لها نظيراً، فاجعةُ الرضيعِ، ذلك الغصنُ الطري الذي لم يكتملْ اخضرارُهُ بعدُ، وذلك الفجرُ الصغيرُ الذي لم يكد يبصرُ نورَ الحياةِ،
وذلكَ القلبُ الغضُّ الذي لم يعرفْ من الدُّنيا سوى دفءَ صدرِ أُمّهِ، وأمانَ ذراعي أبيه وهما يحتويانِهِ… اشتدَّ به الظمأ حتى ذبلَتْ شفتاه الصغيرتان، وجفَّ اللبنُ في صدرِ أُمّهِ من وطأةِ الحصارِ والعطشِ، فحملَهُ الحسين (عليه السلام) بين يديه، لا لأنَّ الرضيعَ كانَ يحتاجُ الماءَ وحدَهُ، بل كانَ يحتاجُ أن يجعلَ للزمانِ شاهداً على مرِّ العصورِ والأيام...
كانَتِ الإنسانيّةُ تحتاجُ إلى حجةٍ، أن ترى إلى أي دركٍ يمكنُ أن تنحدرَ القلوبُ حينَ تفارقُ الله (تعالى)، فرفعَ الطفلَ نحوَ القومِ، ورفعَ معَهُ آخر ما تبقّى من أعذارهم، لكنَّ السهامَ كانَتْ أسرعَ من الرحمةِ، والقسوةَ أعلى صوتاً من الفطرةِ، فانطلقَتْ يدُ الغدرِ الملطخةُ بالدماءِ لتخترقَ عنقَ الطفولةِ، ولتذبحَ البراءةِ وهي ما تزالُ في مهدها، لأنَّهم يدركونَ أنَّ صغيرَ آل محمد ككبيرهم…
في تلك اللحظةِ لم يُذبحْ طفلٌ فحسب، بل ذُبحَتِ الرحمةُ،
وذُبحَ الضميرُ، وذُبحَتِ الإنسانيّةُ وهي تنظرُ إلى نفسها في مرآةِ كربلاء، ليُكتبَ على جبينهم أكثر الصفحاتِ سواداً، مصابٌ تتصدّعُ له الأرواحُ… أيُّ قلبٍ ذاك الذي يحتملُ رؤيةَ وليدِهِ يرفرفُ بين يديه كالطائرِ الجريحِ وقد غادرَتْهُ الحياة؟
إنَّها صورةٌ لو عُرِضَت على الجبالِ لارتجفَتْ من هولها، ولو مرَّ طيفها على البحارِ لأغرقها البكاءُ، وسطَ هذا الطوفانِ الهائلِ من الألمِ، لم تتزلزل قمةُ اليقينِ في قلبِ سيدِ الشهداء، ولم ينكسرْ جناحُ الرضا في روحِهِ، ولم تصدرْ منه سوى كلمةٌ اختصرَتْ مقاماتِ العارفينَ جميعاً... هوَّن ما نزل بي… إنهُ بعين الله تعالى…
يا لها من كلمة!
كأنَّها نبعُ نورٍ تفجّرَ من قلبِ الفاجعةِ، وكأنَّها رايةُ رِضىً ارتفعَتْ فوقَ ركامِ الألمِ، وكأنَّها شهادةُ عبدٍ رأى رأفةِ الله في البلاءِ، فغابَ عن رؤيةِ البلاءِ نفسِهِ...
لقد ابتُلي نبي الله إبراهيم الخليل (عليه السلام) برؤيا الذبحِ، فامتثلَ قلبُ الأبوةِ طاعةً وتسليماً، ثم جاءتِ الرحمةُ الإلهيةُ ففدَتِ الذبيحَ، أما مولانا الإمام الحسين (عليه السلام) فلم يكن أمامَ رؤيا تُرى في المنامِ، بل أمامَ حقيقةٍ تنزفُ بين يديه، وأمامَ نحرٍ صغيرٍ رُمي بسهمِ الغدرِ والحقدِ، وسالَتْ منه دماءُ البراءةِ، وأمامَ رضيعٍ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ في حِجرِ أبيه، ومع ذلك بقيَ واقفاً على قمةِ الرضا، شامخاً كشموخِ النبوةِ، مطمئناً كطمأنينةِ الأنبياءِ...
ثم ملأ كفّيه المباركتين من الدمِ الطاهرِ، ذلك الدمِ الذي لم يعرفْ من الدنيا ذنباً، ورفعَهُ نحو السماءِ، فكأنَّ الأرضَ لم تعُد تتّسعُ لعظمةِ المصابِ، وكأنَّ الدمَ عادَ إلى موطنِهِ الأول، وكأنَّ الحسينَ يقدّمُ قرباناً من نورٍ إلى ربِّ السماءِ...
فيا له من مشهدٍ يمثّلُ الطفولةَ المذبوحةَ، والأبَ المفجوعَ برضيعِهِ، والكونُ واجمٌ أمامَ ذلك، لكنَّ العبدَ ما زالَ شاكراً، وما زالَ راضياً، وما زالَ يرى خلفَ الجراحِ وجهَ الحكمةِ الإلهيّةِ، ومن هنا خلّدَتْ تلك اللحظة، لا لأنَّها كَانَتْ أشدَّ لحظاتِ الألمِ فحسب، بل لأنَّها كَانَتْ أسمى لحظاتِ التسليمِ، ففيها تعلّمَتِ الإنسانيةُ أنَّ الرضا ليس أن تبتسمَ حينَ تأتيكَ النعمةُ فحسبُ، بل أن يبقى قلبُكَ متعلقاً بالله (تعالى) حينَ تتهاوى الدُّنيا كلها من حولكَ؛ لأنَّ كلَّ ما يصيبُكَ هو بعينِ الله عز وجل.
(8)
حين عادَتِ النبوّةُ مضرجةً بالدمِ
لم تكن كربلاءُ ساحةً تتكسّرُ فيها السيوفُ على السيوفِ فحسب، بل كانت موطناً تتكسّرُ فيه القلوبُ على القلوبِ، وكانت عاشوراء ساعةً ثقيلةً على الوجودِ، حتى لكأنَّ الزمنَ قد وقفَ واجماً عندَ شاطئ الفاجعة، ينظرُ إلى آل محمد (صلى الله عليه وآله) وهم يعبرونَ نحوَ الخلودِ واحداً تلوَ الآخر...
وفي ذلكَ النهارِ المضمّخِ بأوجاعِ السماءِ، لم يكن علي الأكبر مجرّدَ شابٍّ خرجَ إلى الميدانِ، بل كانَ آخر شعاعٍ من شمسِ النبوّةِ يمشي على الثرى، كانَ محمداً في قسماتِ وجهِهِ، وعذوبةِ منطقِهِ وطهرِ سريرتِهِ، حتى قيلَ فيه: إنَّهُ أشبهُ الناسِ برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً…
فأيُّ مصابٍ أعظمُ من أن يرى الحسين صورةَ جدّهِ ماثلةً أمامَ عينيه؟
وأيُّ فاجعةٍ أشدُّ من أن يشهدَ تلك الصورةَ وهي تمضي إلى الذبحِ؟
لقد كانَ علي الأكبر نافذة يطل منها الحسين على رسول الله كلما اشتدَّ به الشوقُ، وكان نسمةً نبويةً تهبُّ على قلبِهِ فتبدّدُ وحشةَ الدنيا، و إذا تحدّثَ خُيّلَ للسامعين أن صدى الوحي ما زالَ عالقاً في حروفِهِ، وإذا أقبلَ أقبلَتْ معه مهابةُ الرسالةِ، وإذ ابتسمَ أشرقَتْ في وجهِهِ بقايا ذلك النورِ الذي أضاءَ العالمَ يومَ بزغَ فجرُ الإسلامِ…
ثم جاءَتْ ساعةُ الرحيلِ الأبدي، ساعةٌ لم تخرج فيها الروحُ من الجسدِ فحسب، بل خرجَ معها شيءٌ من قلبِ الحسين لا يعودُ، استأذنَ أباه في القتالِ ولم يكن يستأذنْ للنجاةِ ولا للعودةِ، ولا لرجاءٍ بالحياةِ، بل كانَ يستأذنُ للمضي نحوَ الموعدِ الذي كتبَتْهُ السماءُ له منذُ أن خلقَ، ومنذ أن التفتَ إلى أبيه وسألَهُ: يا أبت ألسنا على الحق؟
ما أعظم السؤال!
فلم يسألْ عن عددِ الأعداءِ، ولا عن موازين القوةِ، ولم يسأل عن احتمالاتِ النصرِ، لأنَّ الأرواحَ الكبيرةَ لا تنشغلُ بنتائجِ الطريقِ إذا كانَتْ تعلمُ أنها تسيرُ في طريقِ الحقِّ...
فلما سمعَ الجوابَ من أبيه: بلى والذي إليهِ مرجعُ العبادِ… تهلّلَ وجهه كما يتهلل فجر على أفقٍ مظلمٍ، وقالَ بيقينٍ يليقُ بأبناءِ النبوةِ: إذنْ لا نبالي أن نموتَ محقينَ…
لم يكن الموتُ عندَهُ حفرةً من ترابٍ، بل بوابةٌ من نورٍ، وكأنَّ الشهادةَ لم تكن نهايةَ العمرِ، بل بدايةُ الحضورِ الأبدي في حضرةِ الخالق...
اندفعَ إلى الميدانِ فاهتزَّتْ له الأرضُ، وتراجعَتْ أمامَهُ الصفوفُ كأنَّهُ ليث الوغى، كانَ كأنَّهُ قطعةٌ من بأسِ جدّهِ أمير المؤمنين (عليه السلام)، عادَتْ تمشي بينَ الناسِ… إذا كرَّ، اضطربَتِ القلوبُ، وإذا صاحَ، ارتجفَتِ الفرائصُ وهو يرجزُ وسطَ الميدانِ، وإذا لمعَ سيفُهُ تحتَ الشمسِ، خُيلَ للناظرينَ أنَّ ذا الفقارِ قد عادَ يكتبُ سيرتَهُ من جديدٍ، لكن المصيبةَ لم تكن في خروجِهِ إلى القتالِ، بل في عودتِهِ من القتالِ، حينَ عادَ محمولاً على سنانِ الغدرِ، مضمخاً بدمِهِ مثخناً بالجراحِ، وقد افترشَتِ الرمالُ جسداً طالما حملَ عبيرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)...
هناك لم يكن الحسين يسيرُ نحوَ ولدهِ، لا، بل كانَ يسيرُ نحو قلبِهِ الملقى على الثرى تحتَ لهيبِ الشمسِ، وكانَتِ الخطواتُ أثقلَ من الجبالِ، والأرضُ تضيقُ تحتَ قدميه، حتى لكأنَّ كربلاء كلها أصبحت قبراً واسعاً للحزنِ...
جثا عندَهُ وأخذَ يتأمّلُ ذلك الوجه الذي طالما رأى فيه ملامحَ جدِّهِ المصطفى، وجهاً أطفأه الموتُ، لكنَّ النورَ لم يفارقْهُ، وجهاً غطّاه الدم، لكنّ الهيبةَّ ما زالت تشعُّ منه، وجهاً سكنَتْهُ الشهادة، لكنّ الحياةَ الخالدةَ كَانَتْ تتدفّقُ من قسماتِهِ…
وفي تلك اللحظةِ لم يكن الحسين يبكي ولداً فقط، بل كانَ يودّعُ رسول الله للمرة الثانية، فكأنَّ المدينةَ عادَتْ إليه بكلِّ أحزانها وأوجاعها، وكأنَّ يومَ رحيلِ النبي قد بُعثَ من جديدٍ فوقَ رمالِ الطفِّ ليجدّدَ الحزنَ والأسى!
أي وجعٍ هذا الذي يحتملُهُ قلبُ الحسين؟
وأيُّ صبرٍ هذا الذي وسعَ كل تلك المصائب؟
لقد سقطَ علي الأكبر شهيداً، لكنّ النبوةَ لم تسقطْ، وسالَ دمُهُ على الرمالِ، لكنَّ الرسالةَ لم تنحنِ، وغابَ جسدُهُ عن الدنيا، لكنَّ صورتَهُ بقيَتْ ترفرفُ في وجدانِ المحبينَ كرايةٍ من نورٍ، فإذا ذُكرَ علي الأكبر، لا يذكرُ شهيداً فحسب، بل يذكرُ باعتبارِهِ اللحظة التي وقفَتْ فيها النبوةُ على أعتابِ كربلاء، ثم مضَتْ إلى الله سبحانه مخضبةً بالدمِ.
سلام على علي الأكبر يوم ارتقى شهيداً، فبكَتْ عليه الأرضُ لأنّهُ غادرها، وبكتْ عليه السماءُ لأنَّها كانت أولَ من استقبلَهُ.
