مفردة [ الأخوّة ]
تُعدّ مفردة الأخوّة في ملحمة كربلاء من أبرز المفردات التي شهدت تحولاً دلالياً عميقاً أيضا ، إذ انعتقت من إطارها البيولوجي الضيّق القائم على رابطة الدم والقرابة ، لتنفتح على فضاء قيمي وعقائدي يتجاوز معناها التداولي المألوف . لقد تحوّلت الأخوّة في هذا السياق إلى منظومة التزام روحي ووجودي ، صاغت أبعاداً غير مسبوقة للتضحية والوفاء .
ويتجلّى هذا التحسين الدلالي في أبهى صوره عند أبي الفضل العباس والسيدة زينب ( عليهما السلام ) ، حيث أعاد كلاهما صياغة المفهوم ليتخطى المشاعر العاطفية المجرّدة نحو دلالات عملية صارمة ، مع الحفاظ على جوهرها الفطري الغريزي الكامن في النفس البشرية . فلم تعد الأخوّة لديهما مجرد صلة رحم ، بل غدت أداةً ومرقاةً لمعانٍ روحية ، والتزامات شرعية ، وعلائق غيبية ، استطاعا استثمارها وتوظيفها بأكمل وجه مع أخيهما وإمامهما أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) في نهضته المباركة .
إستطاع كل منهما - سلام الله عليهما - أن يجعل من شراكته النَسَبية وإرتباطه الغريزي والعاطفي شراكة رسالية قلّ نظيرها ، وبين طرفي الشراكة ( الأخوة النسبية - الانتماء الرسالي ) في المشروع الإلهي هذا تغذية راجعة يعزز كل منهما الطرف الآخر حتى تكاملا ووصلا الى أعلى وأسمى الدرجات .. ولعلّ أقرب تناصّ قرآني لهذا النوع من الترابط والشراكة هو ما كان بين نبي الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام حين طلب موسى من ربه مساندة أخيه هارون ليشاركه الرسالة : [ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ] .
اجتماع الأخوة النسبية والأخوة الرسالية يمثل القمة في ترابط العلاقات الإنسانية والروحية ، حيث تلتقي رابطة الدم والنسب مع رابطة العقيدة والرسالة المشتركة . وعندما تجتمع هاتان الرابطتان ، يتضاعف الحق وتتوثق العرى لتصبح العلاقة نموذجاً مثالياً للتعاون والتآزر .
مع مفردة أخرى إن شاء الله تعالى
