انطلاقاً من قول الإمام الحسين عليه السلام (عليه السلام):" كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ".(1).
المقدمة
يُعدّ خطابُ الإمام الحسين (عليه السلام) "كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلانُ الفلوات" نصاً تأسيسياً في فلسفة المصرع، لا لكونه إخباراً غيبياً فحسب، بل لإعلانه عن وعيٍ استراتيجيٍّ بطبيعة المواجهة المصيرية. فمن خلال استشرافِ الإمام لنهشِ "عسلان" الأرضِ لأوصالهِ الشريفةِ، تتكشفُ أبعادُ الملحمةِ التي حوّلت جغرافيا "النواويس" و"كربلاء" من مجرد بقعٍ صحراويةٍ موحشةٍ إلى محرابٍ للشهادةِ والخلودِ الإلهي. وبقراءةٍ تحليليةٍ موجزةٍ تجمعُ بين الدلالةِ اللغويةِ للذئابِ البشريةِ وتجلياتِ المظلوميةِ في النبوءاتِ القديمةِ، يبرزُ المصرعُ كفعلِ إرادةٍ وحريةٍ في وجهِ طغيانٍ عابرٍ، مُحوّلاً تمزيقَ الجسدِ إلى فعلِ إحياءٍ أبديٍّ لقيمِ الحقِّ والعدالةِ، وهذا ما سوف يتم تناوله عبر الأمور الآتية:
أولاً: استشرافٌ غيبيٌّ في خطاب الإمام (عليه السلام)
يُعدُّ خطابُ الإمام الحسين (عليه السلام): "كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات" نصاً تأسيسياً في "فلسفة المصرع"، لا لكونه إخباراً عن غيبٍ فحسب، بل لكونه إعلاناً عن استيعابٍ كاملٍ لطبيعة المواجهة. إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يكن يرى الموتَ حدثاً عابراً، بل كان يقرأُ مساراتِ الوجودِ في "فلواتِ" كربلاء، مستحضراً "الأوصال" التي ستكون عرضةً لنهشِ "العسلان". إنَّ هذا الاستشراف يعكسُ صبراً استراتيجياً يُحوّل لحظاتِ المصرعِ إلى محرابٍ للشهادة. إننا نقفُ اليومَ أمامَ نصٍّ يكشفُ عن عظمةِ القائدِ الذي حددَ جغرافيةَ ذبحهِ قبلَ أن تطأ قدماه أرضَ نينوى، ليعلمنا أنَّ الموتَ في سبيلِ الحقِّ هو انتقالٌ من ضيقِ المادةِ إلى رحابةِ الخلودِ الإلهي.
ثانياً: في دلالة "العسلان" و"الفلوات" لغةً ورمزاً
لغويّاً، "عَسَلان" جمعُ "عَسال" أو "عسل"، وهو الذئبُ(2) الذي يضربُ بيدهِ في مشيهِ، وهو أشدُّ أنواعِ الذئابِ فتكاً وذكاءً وتوحشاً؛ فهي حيواناتٌ لا تكتفي بالقتل، بل تمزقُ الفريسةَ إرباً. أما "الفلوات"، فهي الصحاري الموحشةُ التي لا إنسَ فيها ولا ملجأ، وهي الأرض القفراء التي لا ماء فيها. لقد اختارَ الإمامُ (عليه السلام) هذا التشبيهَ بدقةٍ متناهية؛ فالذئابُ بطبعها تعتدي على "الضعفاءِ" في الغفلةِ، لكنَّ الإمام (عليه السلام) واجهَ "عسلانَ" بشريةٍ تجردت من الإنسانيةِ. إنَّ اختيارَ الصحراءِ (الفلوات) كمسرحٍ لهذا المصرعِ يُبرزُ وحشيةَ القومِ الذين استغلوا عزلةَ المكانِ ليقطعوا أوصالَ سبطِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، فكانت كربلاءُ في يومِ عاشوراءَ صحراءَ بلا رحمةٍ، امتلأت بذئابٍ بشريةٍ استباحت دماءَ آلِ البيتِ (عليهم السلام).
ثالثاً: جغرافية المصرع.. "بين النواويس وكربلاء"
حددَ الإمامُ (عليه السلام) مكانَ مصرعهِ بدقةٍ بين "النواويس وكربلاء". والنواويسُ في لسانِ العربِ هي المقابرُ القديمةِ للنصارى وأهل الكتاب، وجمعها ناووس وهي الصخور التي توضع على قبور أهل الكتاب، وقيل قرية وكأنَّ الإمامَ (عليه السلام) يشيرُ إلى أنَّ أرضَ الطفِّ قد خُصصت لتكونَ مشهداً للذبيحِ الأعظمِ. إنَّ هذا التحديدَ الزمانيَّ والمكانيَّ يثبتُ أنَّ المشروعَ الحسينيَّ لم يكن صدفةً، بل كان قدراً إلهياً مُسطراً. لقد اجتمعت في تلك البقعةِ خيلُ أهلِ الشامِ، كما وصفها الإمامُ الباقرُ (عليه السلام): "إن يومَ تاسوعاء يوم حوصرَ فيه الحسين"(3). لقد كانت كتائبُ الأمويينَ كـ "العسلان" التي أحاطت برضيعٍ وعيالٍ وعائلةٍ كريمةٍ، لم يجدوا في تلك الفلواتِ سوى عطشِ الصحراءِ وحرارةِ سيوفِ الحاقدينَ الذين قَدِموا من آفاقٍ شتى.
رابعاً: كربلاء في الرؤى القديمة.. النبوءةُ والذبيح
لم تكن كربلاءُ يوماً عادياً في سجلِّ التاريخِ؛ فقد أشارت النبوءاتُ القديمةُ إلى هذا المصرعِ بوضوحٍ، ومنها ما ذُكرَ في "سفر أرميا" (الإصحاح 46) عن "ذبيحٍ سيُذبحُ على ضفافِ الفرات"(4). لقد كشفت محاولات الدخول في الأديرةِ القديمةِ في بلاد الشام عن ألواحٍ مكتوبةٍ قبلَ بعثةِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بمئاتِ السنينَ، توثقُ هذه الجريمةَ وتقولُ: "أترجو أمةٌ قتلت حسيناً شفاعةَ جدهِ يومَ الحساب؟"(5). إنَّ هذه الشواهدَ تؤكدُ أنَّ مظلوميةَ الحسينِ (عليه السلام) هي المظلوميةُ الكبرى في تاريخِ البشريةِ، التي عرفتها الأممُ السابقةُ وبكتْ عليها، فكيفَ بنا نحنُ الذين نحملُ أمانةَ دمائهِ، ولا نزالُ نرى في كلِّ عامٍ تلكَ "العسلان" تحاولُ تقطيعَ أوصالِ نهجهِ؟
خامساً: التنوعُ الحاقدُ.. حشودٌ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ
لقد كانت مأساةُ عاشوراءَ لا تقتصرُ على قبيلةٍ أو جهةٍ، بل جمعت في معسكرِ يزيدَ خليطاً من أهلِ الشامِ والتركِ والموالي وغيرهم، ممَّن أُغريَ بالمالِ أو ضُللَ بالدينِ المزيفِ. إنَّ تجمعَ هذه الحشودِ (كالعسلانِ) التي لا تجمعُها رابطةُ دمٍ ولا رحمٍ، بل يجمعُها الحقدُ على الرسالةِ المحمديةِ، يُظهرُ غربةَ الحسينِ (عليه السلام) في "فلواتِ" الغدرِ. لقد كانَ الحسينُ (عليه السلام) وحيداً في مواجهةِ جيشٍ جرارٍ، لا يطلبونَ منهُ سوى خلعِ البيعةِ للحقِّ. إنَّ هؤلاءِ الذين جاءوا من أصقاعِ الأرضِ كانوا ينفذونَ مشروعاً شيطانياً لتقطيعِ "أوصالِ" الأمةِ المتمثلةِ في جسدِ الحسينِ (عليه السلام)، فكانوا ذئاباً في صورةِ بشرٍ، كما شاهدنا ذلك بعيننا في تنظيم داعش الإرهابي الذي ينتمي له من جميع الجنسيات العربية والأجنبية المختلفة، فكذلك هم قتلة الحسين (عليه السلام)، والاعم الاغلب من هذه العسلان الذئاب البشرية هي من الحجاز والشام.
سادساً: يومُ المصرع.. بكاءُ السماءِ على أوصالِ الحسين (عليه السلام)
تخيلوا ذلك الموقفَ، حيثُ أُحرقَت الخيامُ، وخرجتْ "العسلان" من بينِ صفوفِ جيشِ ابنِ زيادٍ لتهجمَ على أطفالِ الحسينِ (عليه السلام) وعيالهِ. أيُّ وحشيةٍ هذه؟ لقد قطعتْ سيوفهم أوصالَ الحسينِ (عليه السلام)، فغابَ البدرُ وسطَ تلكَ الفلواتِ الموحشةِ. إنَّ عيونَ التاريخِ لم ترَ يوماً كيومِ عاشوراءَ، حيثُ امتلأتْ صحراءُ كربلاءَ بدمِ الطهرِ والقداسةِ. لقد سُمعتْ في ذلك اليومِ صرخاتُ الأطفالِ وعويلُ النساء، بينما كانت الذئابُ البشريةُ تتسابقُ على سلبِ الأرواحِ. إنَّ المصيبةَ التي قطعت أوصالَ الحسينِ (عليه السلام) هي التي قطعتْ قلوبَ الملائكةِ في السمواتِ، وبكتْ عليها كلُّ ذرةِ رملٍ في كربلاءَ.
سابعاً: "عسلان الفلوات" وصفاتُ الغدرِ
الذئبُ (العسلانُ) يختلفُ عن غيرهِ من المفترساتِ بصفاتِهِ في المكرِ والمباغتةِ؛ فهو يختارُ اللحظةَ التي يضعفُ فيها الخصمُ ليعتدي. وهذا ما فعلهُ جيشُ ابنِ سعدٍ؛ فقد حاصروا الحسينَ (عليه السلام) وقطعوا عنهُ وعن عيالهِ الماءَ، ثم هجموا عليهِ وهو في حالِ التعبِ والعطشِ. إنَّ "عسلانَ" جيشِ الشامِ كانت تلتفُّ حولَ خيامِ الحسينِ (عليه السلام) كذئابٍ تتربصُ بفريستها، لا همَّ لها سوى القضاءِ على رمزِ الحقِّ. إنَّ قسوةَ هؤلاءِ لم تكن مجردَ قتالٍ في معركةٍ، بل كانت رغبةً في "تمزيقِ الأوصالِ" محاولةً منهم لمحوِ أثرِ النبوةِ من وجهِ البسيطةِ، لكنَّ الإمام الحسينَ (روحي فداه) بقيَ شاهداً.
ثامناً: المصرعُ خلودٌ أبديٌّ.. فهلْ نحنُ من المُنتصرين؟
في ختامِ هذه القراءة الموجزة، ندركُ أنَّ "العسلانَ" قد قطعت الأوصالَ الجسديةَ، لكنها لم تلمسْ روحَ الحسينِ (عليه السلام) الشامخةَ. إنَّ دماءَهُ أصبحتْ وقوداً لثوراتِ الأحرارِ عبرَ العصورِ. إنَّ مدرسةَ كربلاءَ تعلمنا أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ ليس بطولِ البقاءِ، بل بجودةِ الرحيلِ. فهلْ نحنُ مستعدون لنصرةِ الحقِّ كما كانَ الحسينُ (عليه السلام)؟ إنَّ "عسلانَ الفلواتِ" موجودةٌ في كلِّ زمانٍ، تتربصُ بمبادئنا، فهلْ سنكونُ كالحسينِ (عليه السلام) في ثباتِهِ، أم نكونُ ممن خذلَ أو شاركَ في تقطيعِ الأوصالِ؟ اللهم اجعلنا من الثابتينَ على نهجِ الحسينِ (عليه السلام)، ولا تحرمنا شفاعتَهُ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
المصادر
1- نزهة الناظر وتنبيه الخاطر 86، لحسين بن محمد بن حسن بن نصر الحلواني، المتوفى في القرن الخامس الهجري، الطبعة الأولى سنة: 1408 هجرية، مدرسة الامام المهدي قم/إيران.
2- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج4، ص 314.
3- الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، ج4، ص147.
4- العهد القديم/سفر إرمياء الإصحاح46.
5- تاريخ مدينة دمشق، إبن عساكر، ج14، ص243؛ ج37، ص57؛ الأمالي، الصدوق، ص193.
