اللَّيْلَةَ مَنِ المُعَزَّى؟

لا أعلمُ ماذا سوف يحدثُ في السماواتِ هذه الليلة!

لا أدري، أأنبياءُ اللهِ سيأتون إلى سرادقِ العزاءِ في كربلاء؟

كأنّي أرى رسولَ الله ﷺ قد جلسَ للعزاء.

وكأنّي أرى عليَّ بنَ أبي طالبٍ عليه السلام إلى جوارِ رسولِ اللهِ واقفًا يتقبّلُ العزاء.

وكأنّي أرى سيّدةَ النساء.

نعم، سيّدةَ نساءِ العالمين، جالسةً لا تكادُ تقوى على الوقوفِ لمصيبتين:

مصيبةِ الحسينِ التي هدَّت قواها،

والمصيبةِ الثانيةِ؛ كسرِ ضلعِها.

وكأنّي بأبي محمدٍ، الإمامِ الحسنِ المجتبى عليه السلام، إلى جوارِ أمّه يستقبلُ المعزّين.

لا أعلمُ، هل الملائكةُ تبكي أم تُعزّي؟

لا أدري، وربّما أدري.

أرى بعينِ البصيرةِ أنّ كلَّ شيءٍ، أينما التفتُّ، يبكي على الحسين.

الحورُ العينُ في الجنان، والولدانُ المخلَّدون،

بل حتّى مَن في نارِ جهنّم، على ما فيهم من الجرائم، يبكون الحسين.

الليلةَ اسمُ الحسينِ لا يفارقُ شفاهَ المعزّين.

الليلةَ لا يمكنُ للدموعِ أن تنضبَ من العيون.

إنّها الحقيقةُ التي شاءَ اللهُ أن تبقى ماثلةً لا تموت.

إنّه الحسين.

نعم، الحسينُ صرخةٌ في وجهِ كلِّ ظالم.

الحسينُ دمعةُ كلِّ محروم.

الحسينُ ضميرُ الإنسانيّةِ النابض.

نعم، تتلاشى أمامَ الحسينِ كلُّ عناوينِ البطولةِ والتضحيةِ والرجولةِ والعطاء.

وأمامَ الإمامِ الحسينِ وتضحيته تتكسّرُ أقلامُ الأدباء، وتسقطُ كلماتُ الفصحاء،

ويندكُّ تحتَ قدميهِ كلُّ جبابرةِ الأرض.

أنا لستُ شاعرًا حتّى أرثيكَ يا سيدي،

لكنّ مشاعرَ الحبِّ هذه تطفحُ وتنسابُ على الشفتينِ من غيرِ تكلّف.

أنا أدري، يا سيدي، أنّ الأرضَ كلَّها قد اكتست بالسوادِ هذه الليلة؛ فأينما اتجهتَ رأيتَ رايةً للحسينِ ترفرف، ومجلسًا للحسينِ معقودًا، ومعزّين جالسين.

يا رسولَ الله، لكَ العزاءُ هذه الليلة.

يا رسولَ الله، نعتذرُ إليكَ أنّنا لم نحضرْ مع الحسينِ يومَ كربلاء، لكن تقبّلْ منّا العزاءَ هذه الليلة.

سيدي يا أميرَ المؤمنين، لكَ العزاءُ يا أبا الحسن.

سيدي، تقبّلْ منّا العزاء؛ فلئن لم نكن حاضرينَ في كربلاء، فإنّ مجالسَنا ودموعَنا تشهدُ لنا أنّنا ننصرُ الحسينَ بكلِّ ما نملك.

سيّدتي يا فاطمة، عذرًا سيّدتي.

تخجلُ الكلماتُ أن تُعزّيكِ، لكنّنا ـ والله ـ نعلمُ علمَ اليقينِ أنّكِ حاضرةٌ في مجالسِنا، وتنظرين إلينا.

سيّدتي، نعلمُ أنّ الدموعَ لا تفي، لكنّ هذا أقلُّ القليلِ نقدّمهُ في العزاء.

سيّدتي، سامحينا، فنحن مهما عملنا مقصّرون.

نسمعُ ولدَكِ الحسينَ ينادي: «هل من ناصرٍ ينصرني؟»

واللهِ يا سيّدتي، لو كنّا حاضرينَ للبّينا النداء.

فواللهِ إنّ قلوبَنا تتقطّعُ أسًى.

فوا لهفتاهُ على ولدِكِ الحسين، إذ يستغيثُ فلا يُغاث.

سيّدتي، تقبّلي منّا العزاءَ بدمعةٍ نذرفها على ولدِكِ.

سيّدتي، تقبّلي منّا السوادَ نلبسهُ على ولدِكِ.

سيّدتي، تقبّلي منّا هذا القليل.

سيدي أبا محمد، تقبّلْ منّا العزاءَ لأخيكَ الحسين.

سيدي، نعتذرُ إليكَ؛ فلو عقدنا مجالسَ العزاءِ السنةَ كلَّها، لما وفّينا لكَ ولا لأخيكَ الحسينِ حقَّكما.

نعم، المُعَزَّى هذه الليلةَ حجّةُ اللهِ على العالمين.

يا أبا صالح،

واللهِ إنّي لأعلمُ علمَ اليقينِ أنّكَ الليلةَ في كربلاء، تجلسُ للعزاءِ وتستقبلُ المعزّين.

أعلمُ أنّكَ تبكي دمًا بدلَ الدموع، لكن تقبّلْ منّا هذه الدموعَ الليلة.

سيدي يا حجّةَ الله،

نعجزُ عن معرفةِ كيفيّةِ تعزيتِكَ هذه الليلة.

فلو رأينا الأنبياءَ والملائكةَ كيف يُعزّونكَ، لعزّيناكَ بمثلِ تعزيتهم.

نعم، المُعَزَّى هذه الليلة حجّةُ الله على العالمين .

الحسين_اهل_البيت.jpg