قال تعالى في سورة البقرة:
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُالْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)"
المعنى بين اللفظ والاصطلاح:
عبارة "لا يشعرون" تعني لغةً: انعدام الإحساس، أو الجهل بالشيء، أو عدم التفطنلوقوعه.
وهذا يشير إلى أن العبارة في الآية الكريمة لا تعني بالضرورة جهل المفسدين بأفعالهمجهلاً مطلقاً، وإنما تشير إلى فقدانهم القدرة على الإدراك الصحيح لنتائج سلوكهم أولحقيقته الأخلاقية.
المعنى الموضوعي: تفكيك سايكولوجية الفساد (كيف يرى المفسد نفسه؟)
من الناحية النفسية، يمكننا التمييز بين ثلاث حالات رئيسية لتشوه الوعي عندالفاسدين:
أولاً: الفاسد أو المنافق الذي يعلم حقيقة فعله
وهذا هو النموذج الذي يدرك تماماً أنه يكذب، أو يسرق، أو يستغل السلطة، ولكنه يبررفعله لتحقيق مصلحة شخصية. ويسمي علماء النفس هذه العملية بـ "التبرير الذاتي"(Self-Justification)؛ حيث يصنع الإنسان لنفسه مسوغات أخلاقية أو قانونية تخففشعوره بالذنب، مثل:
"الجميع يفعل ذلك، فلماذا أمتنع أنا؟"
"أنا أستحق هذه الميزة نظير جهودي."
"المصلحة العامة أو الضرورة تقتضي ذلك."
"لولا وجودي في هذا المنصب لكان الوضع أسوأ."
(فهو يعلم الحقيقة، ولكنه يزيّنها لنفسه).
ثانياً: الفاسد الذي فقد القدرة على رؤية فساده
وهذه حالة أكثر تعقيداً؛ إذ تتكرر الممارسات الخاطئة حتى تصبح في نظر صاحبها أمراًطبيعياً وجزءاً من "العُرف".
فالموظف الذي اعتاد الرشوة لسنوات طويلة قد لا يعود يراها جريمة، بل "هدية" أو"حقاً مكتسباً".
والسياسي الذي اعتاد المحاباة والمحسوبية قد يراها "وفاءً للأصدقاء والأقارب" لافساداً.
وهنا تتجلى الآية الكريمة بدقة؛ فهو يمارس الإفساد فعلاً، ولكنه لا يشعر بقبحه كمايشعر به الآخرون.
ثالثاً: الجمع بين العلم وعدم الشعور (أخطر الحالات النفسية)
قد يعلم الإنسان في أعماقه أن فعله غير صحيح، ولكنه يكرر التبرير والتزييف النفسيحتى تنشأ حالة يسميها علماء النفس "التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance). ولكي يتخلص من التوتر بين ما يفعله وما يؤمن به، يعيد تشكيل قناعاته تدريجياً حتىيصدق الأكاذيب التي صنعها لنفسه.
يمر هذا التحول بثلاث مراحل نفسية:
1. البداية: "أعلم أن هذا خطأ، ولكنني مضطر."
2. الوسط: "ليس خطأً كبيراً، فهناك من يفعل أسوأ من ذلك."
3. النهاية: "بل هذا هو الصواب بعينه وعين الحكمة."
النتيجة: يصبح الشخص عارفاً وجاهلاً في آن واحد؛ يعرف الوقائع المادية، ولكنه فقدالبوصلة والقيم الأخلاقية للحكم السليم عليها.
خلاصة تشوه المعيار القيمي
إن أخطر صور الفساد ليست تلك التي يعلم أصحابها أنهم مجرمون فحسب، بل تلكالتي يتحول فيها الانحراف إلى "معيار بديل"، فيرى الفاسد:
الفساد إصلاحاً.
المحاباة وفاءً.
استغلال النفوذ حقاً مشروعاً.
وهذا المعنى الأخير هو الأقرب إلى دلالة قوله تعالى: "وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"؛ أي أنفسادهم حقيقة موضوعية قائمة، ولكن قدرتهم على إدراك هذه الحقيقة قد تعطلتبفعل الأهواء، والتبريرات، والتشوهات النفسية.
من صدمة الوعي إلى شلل "الذهول الشعبي"
ذهول الشارع العراقي:
اليوم، نرى الشارع العراقي يعيش في حالة ذهول صاعق من ضخامة أرقام الفسادوتشعب ملفاته. فماذا بعد الذهول؟ وهل يكفي الذهول وحده في عُرف الشعوبالحية؟
من المؤكد أن الذهول وحده لا يكفي، بل قد يكون في بعض الأحيان أخطر من الفسادنفسه إذا طال أمدُه؛ لأنه يتحول إلى حالة من الشلل الجماعي، والإحباط، واليأس. الصدمة رد فعل طبيعي ونفسي، ولكن المجتمعات لا تتغير بمجرد إدراك حجم الكارثة،وإنما بالانتقال من مرحلة "الوعي بالفساد" إلى مرحلة "العمل المنظم لمواجهته".
المراحل الأربع لحركة المجتمعات:
من منظور علم الاجتماع السياسي، تمر المجتمعات الحية غالباً بأربع مراحل حتميةللتغيير:
1. الذهول واكتشاف حجم الفساد.
2. فهم أسبابه ومراكز نفوذه.
3. تشكيل رأي عام رافض.
4. التحرك السلمي المنظم للإصلاح.
إذا توقف المجتمع عند المرحلة الأولى (الذهول)، فإن هذا الذهول يتحول بمرورالوقت إلى "استسلام وتطبيع مع الفساد"، وينشأ شعور عام مدمر بأن الفساد قدرٌمحتوم لا يمكن تغييره.
أدوات المواجهة السلمية والدستورية في الأنظمة الدستورية
تتعدد وسائل المواجهة السلمية والقانونية المقاومة للفساد، وأبرزها:
1- نشر الوعي الثقافي والقانوني: لتعريف المواطن بحقوقه وواجباته.
2- دعم الصحافة الحرة: باعتبارها السلطة الرابعة الكاشفة لملفات الفساد.
3- مساندة الهيئات الرقابية والقضائية المستقلة: لتحصينها ضد الضغوط السياسية.
4- المطالبة بالشفافية: وإتاحة الوصول إلى المعلومات وحركة الأموال العامة.
5- المشاركة الانتخابية الواعية: والابتعاد عن التخندقات الضيقة لاختيار الأكفأ والأنزه.
6- تفعيل دور منظمات المجتمع المدني: المعنية بالنزاهة والرقابة.
7- استخدام الحقوق الدستورية: كالتعبير والاحتجاج السلمي المنظم تحت مظلةالقانون.
خاتمة: الغضب المنظم يصنع التغيير
إن أخطر ما يريده الفاسد ويتمناه هو أن يبقى الناس في حالة دهشة وغضب سلبيفقط؛ لأن الغضب العاطفي وغير المنظم يتبدد ويتلاشى مع الزمن، أما الوعي المنظم فيتحول إلى قوة مؤسساتية قادرة على التغيير.
الذهول من الفساد بداية صحيحة تدل على حيوية المجتمع، ولكنه ليس نهايةالمطاف. الواجب اليوم هو تحويل الصدمة إلى معرفة، والمعرفة إلى إرادة جماعية،والإرادة إلى عمل سلمي وقانوني مستمر.
والتجارب التاريخية تؤكد: إن الدول التي نجحت في محاصرة الفساد لم تبدأ منمجتمع ملائكي لا فساد فيه، بل بدأت من لحظة تحويل "الانفعال الشعبي بالصدمة"إلى "بناء مؤسسات وقواعد رقابية صارمة" قادرة على لجم الفساد والمفسدين.

بغداد - 2026
--------
*نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق.