كنت مريضا فزارني الحسين: قصة قصيرة

في أحدى ضواحي لندن حيث تصطف المنازل بهدوء لاتعرف سوى المطر كانت تعيش عائلة مسيحية بسيطة تتكون من الأب والأم وطفلهما الوحيد الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره راقدا في غرفة صغيرة بمستشفى يطل على شوارع لندن...كانت الأم تحدق في وجه طفلها الوحيد النائم تحت الأجهزة والأنابيب لم يكن نائما بل غائبا جسده يترنح بين الحياة واللاحياة ودماغه المصاب بمرض عضال يذوي مثل شمعة انكسرت فيها النار على نفسها...
قال الأطباء: أن الورم لا يرحم وإنه ميؤوس من علاجه ولن يعيش أكثر من بضعة شهور المعجزات لاتحدث أما زوجها فقد غرق في صمته يقضي وقته في تقليب الصور القديمة كأن الذاكرة صارت الدواء الوحيد الممكن..
لكن الأم في تلك الليلة لم تستطع أن تنام وفي ساعة باردة من الليل..
كانت تبحث على الأنترنت في نوبات يأس متتابعة تكتب كلمات مثل: شفاء.. أمل..طفل مريض ..فوقعت على فيديو  بعنوان:
الحسين...الشهيد العطشان الذي أبكى القلوب يتحدث عن الأمام الحسين عليه السلام وعن كراماته وكيف أن تراب قبره شفى كثيرا من المرضى أثار الأمر فضولها خاصة أن الفيديو كان مترجما الى اللغة الأنگليزية..
تجمدت أصابعها قلبها دق كأنها تعرف هذا الاسم..
قالت في نفسها:
لا أعرف هذا الرجل لكن قلبي ارتجف وأنا أسمع اسمه... الحسين؟ من يكون؟
قضت الليل كله تقرأ عن كربلاء.. عن تضحيته..عن عطشه.. عن ألمه وعن محبته للأطفال وكيف أنه ضحى بكل شيء من أجل الحق.
وفي لحظة يأس وأمل..قالت وهي تبكي:
يا حسين... ياحبيب حبيب الله والرسول محمد(صلى الله عليه وٱله وسلم) أن كنت تسمع الغرباء فانظر لطفلي أنقذ طفلي.. سأؤمن بك وسأحمل اسمك في بيتي ما 
 حييت.. أخذت قطعة من ورق أبيض.. وكتبت اسم الحسين علقته فوق سريره في المستشفى خلسة.. وكأنها ترتكب طقسا سري..
وفي الليلة التالية جلست قرب السرير..فأخذ الطفل يهمس بصوت ضعيف: ماما... رأيت نورا...رجلا...كان يقف قرب الباب ويناديني باسمي قال لي: أن الحسين يحبني... تجمدت الأم في مكانها قلبها دق بعنف...تجمدت... ماذا قلت ياولدي؟ الحسين؟ 

أجاب الطفل وهو يبتسم لأول مرة منذ أيام... نعم قال لي: أن المرض سينتهي قريبا... وبعد يومين كان موعد فحص جديد لطفلهم.. أنقلبت 

 النتائج دخل الطبيب مذهولا يقرأ الأشعة مرارا ثم قال: هذا غير ممكن...الورم أختفى تماما كأنه لم يكن يوما موجودا بل هناك معجزة
سقط الأب والأم باكيين.. وتذكرت الأم دعاءها واسم الحسين.. سألها زوجها: هل صليت؟ أجابت: وهي تحدق بالورقة الصغيرة...لم أصل لكني دعوت عادت إلى البيت وفي يدها صورة صغيرة وجدتها على الأنترنت للأمام الحسين عليه السلام يحتضن عبد الله الرضيع في يده، وجهه مشع كحلم لم يكتمل علقتها على الجدار بجانب صورة السيدة العذراء  وقالت:في بيتنا أسم الحسين لأن الحسين لايسأل عن دينك بل عن قلبك
في أحد الأيام سألها زائر:من هذا الرجل في الصورة؟
 قالت بهدوء :اسمه الحسين...أستشهد في كربلاء قبل أكثر من ألف عام لكنه أنقذ أبني هذا الأسبوع ..
بل صارت تسأل :كم منا يرى النور ولا يتبعه؟
وكم منا يسمع النداء..لكنه يغلق النوافذ خوفا من الجواب؟
أصبحت غرفة الطفل مزارا داخليا..
كل مساء كانت تنظر إلى صورة الحسين قائلة:
السلام عليك يا أبا عبد الله
وفي دفترها كتبت بخط كبير:
لولاك يا حسين
ما عاد طفلي يضحك
ما عاد يركض في البيت
ما عاد للحياة طعم
كان الجدار صامتا
وكانت الألعاب تبكي وحدها
وكان الليل طويلا كالعمر في الانتظار

ناديتك والدمع في عيني
وقلبي كجمر يطفئه الرجاء
قلت: يا حسين.. اشفع له
هو زهرتي التي ذبلتْ
هو نبضي الذي كاد يخبو
هو دعائي الذي رفعته في الظلام

وإذا بالنور ينساب
من كربلاء إلى سريره
من التراب إلى السماء
وإذا بالصغير يقوم يبتسم
كأن عرش الله قد رق لنا

يا حسين..
ما أعظمك في قلوبنا
وما أكرمك عند رب يسمع الأنين
شفيت ولدي فكيف أرد الجميل؟
أكتب اسمك في قلبه
وأخبره أنك النور أن أظلم الطريق
وأنك الرحمة حين يجف الدمع العيون

ثم أغلقت الدفتر وفتحت النافذة..
حيث انقشعت غيوم لندن لأول مرة منذ أيام
 فرأَت شيئًا من نور بعيد
كأنه صوت بلا صوت...
يقول :أنا لم أمت
أنا الحسين...
ما دامت هناك أم تبكي وطفل ينتظر ماء.... 
اقترب الطفل من أمه قال لها: ماما هل سنذهب الى كربلاء؟ ضمته الى صدرها:نعدك أن نذهب.. وبعد أشهر تحقق الوعد..
هبطت الطائرة في مطار بغداد،. سافرت العائلة إلى كربلاء.. لا كسياح بل كقلوب تبحث عن معنى.. عن امتنان.. وعندما وقف الطفل أمام الضريح نظر إلى القبة الذهبية.. ثم سجد بصمت..

أما الأم فكانت واقفة تبكي لا تعرف أن كان هذا بكاء الفقد الذي نجا.. أم بكاء الولادة من جديد..

اقترب منها رجل مسن يرتدي عباءة سوداء وقال لها بصوت خفيض:
الحسين لا يرد أحدا جاءه بقلب نقي...

قالت له والدموع تملأ عينيها:
أنا لا أعرف لماذا اختارنا هو... نحن لا ننتمي إلى دينه ولا بلده...

أبنسم الرجل وقال:هو لا يرى دينك بل يرى دموعك... يرى فيكِ الأنسان..

ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياة العائلة تماما..

عادوا الى لندن.. لكن شيئا من كربلاء بقي معهم..علقت الأم لوحة صغيرة في غرفة الطفل كتب عليها(كنت مريضا فزارني الحسين) 

وكبر الطفل وهو يحمل في قلبه سرا عظيما...سر رجل أستشهد ليمنح الآخرين الحياة... وصار كلما سأله أحد: من أنقذك؟ يجيب بابتسامة هادئة:
رجل جاء من كربلاء... اسمه الحسين..

وهكذا ظل نور كربلاء يضيء نافذة في أحدى ضواحي لندن..حيث تؤمن أم وطفل أن المعجزات لا تسأل عن العرق ولا عن الدين بل تبحث عن القلب...

 

صغير_الحسين.jpg